إنّ تأثير إرهاب العسكر في مسألة التهجير القسري على الصحّة النفسيّة للمصريين الواقعين تحت وطأتها، يمتدّ عبر الزمن؛ نتيجة التهديد الأمنيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والنفسيّ الذي تفرضه الهجرة بالإكراه؛ إذ تطرأ تأثيراتٌ واضحةٌ ومشتركةٌ على الصحة النفسيّة للوالدين بدايةً، ومن ثَمّ على جميع أفراد العائلة، ومن ضمنهم الأطفال الذين لديهم استعدادٌ لتطوير اضطراباتٍ سلوكيّة نفسيّة أكثر من الكبار.

ولم يكن أحد يتصور أنه بعد مرور 36 عاما من استعادة سيناء، ستتحول هذه البقعة الاستراتيجية المصرية إلى ساحة لاستنزاف الأرواح وتهجير الأهالي منها، بدلا من أن تكون محلا للسياسات التنموية وتوطين ستة ملايين مصري فيها، وأصبح شائعاً تسريب العسكر مقاطع فيديو لإعدام الشباب بالرصاص مقيدين من الخلف، وهجوم مليشيات الإرهاب المدعومة من المخابرات الحربية على المساجد وقتل المصلين في صلاة الجمعة.

سياسات القمع والتنكيل في سيناء وفي مصر كلها تقوم بعدة وظائف، أهمها تعميق مشكلة الإرهاب والحفاظ على هذا الخطر، إلى جانب زرع الفرقة بين القبائل في سيناء وبينها وبين الجيش، وهو ما يضمن استمرار ممارسات الانقلاب، فمصدر شرعية الانقلاب- في الداخل والخارج- مرتبط بدوره في محاربة كذبة الإرهاب.

اليأس والقنوط

كما أن الإصرار على إغراق البلاد بهذا الكم الهائل من الانتهاكات والتجاوزات يقوم بوظيفة أخرى، وهي دفع الناس إلى التعود على الدماء والانتهاكات من جهة، ودفع الجهات الحقوقية وكافة القوى الوطنية إلى حالة من اليأس والقنوط من القدرة على مواجهة جبروت النظام من جهة أخرى، هذه السياسة تشبه إلى حد كبير سياسة الصدمة والترويع التي لا هدف لها إلا إدخال الخوف واليأس والرعب في نفوس الناس وكافة المعارضين.

وأصدر مركز “هردو” لدعم التعبير الرقمي تقريرا بعنوان التهجير القسرى يتناول تعريفه، ويتطرق التقرير إلى الآثار النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي يخلفها تهجير أو نزوح السكان من منازلهم، مشيرا إلى أن تلك الآثار التي تؤدي في كثير من الأحوال إلى التسبب في تدمير أسر وأجيال بأكملها ومدى علاقة ذلك بأهالي سيناء.

ولا تتوقف الآثار النفسية فقط على سكان مناطق شمال سيناء وما تم فيها من تهجير، وإنما أبناء مدينة رفح وكل المناطق السكنية من المساعيد إلي الشيخ زويد، ولا ينكر أحد آثار عمليات السفيه عبد الفتاح السيسي الإرهابية وتأثيراتها النفسية على أبناء هذه المناطق الغالية قبل الآثار المادية؛ لأن العمليات العسكرية صاحبها تقييد حرية التنقل بين هذه المناطق، وكيف أن ذلك ضرب كل قرى الشريط الساحلي من رفح شرقا إلى بالوظة غربا.

وليس أهل سيناء وحدهم الذين تعرضوا للقهر النفسي والبدني والتهجير، فقبلهم استغلت حكومات العسكر المتتالية في القرن العشرين، سماحة النوبي التي استمدها من العيش جوار النيل وفي أرض خضراء، يصفها أغلب النوبيين بالفردوس على الأرض، ففرضت التهجير عليهم وأجبرتهم على الانتقال من مساكنهم أكثر من مرة لإنشاء مشاريع قومية محلها.

وتمتد أرض النوبيين من شلال مدينة أسوان حتى مدينة مروى بالقرب من الشلال الرابع في السودان، وتعود أصولهم إلى مملكة كوش والأسرة الفرعونية الـ25، تعرّض النوبيون للتهجير مرات عدة، ليس فقط تهجير 1964 إبان حكم الفاشي أبو الانقلاب جمال عبد الناصر، بل كانت البداية الحقيقية عام 1902، لبناء خزان أسوان في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني؛ بهدف الحفاظ على مياه النيل لتنمية صناعة الغزل والنسيج.

إجرام عبد الناصر

وظنّ النوبيون أن تهجيرهم انتهى مع انتهاء الفترة الملكية، لكن تكرر المشهد في 1954 عندما قررت حكومة العسكر التخطيط لبناء السد العالي في أسوان لتوفير فائض مياه وتوليد الكهرباء باتفاق مع الحكومة السودانية، وبدأت عملية التهجير في أكتوبر 1963 وانتهت في يونيو 1964.

وتأتي تأثيرات التهجير التي فرضها السفيه السيسي على أهلنا في سيناء كما فرضها عبد الناصر على أهلنا في النوبة بالنسبة إلى العائلة النازحة، أولها مرارات النزوح التي تنعكس في زيادة الأعباء علي العائلات والأسر وإضعاف بنيتها، وزيادة احتمال تفكّكها، ولا سيّما تلك التي فقدت معيلها الذَّكر برصاص عصابات السفيه السيسي.

فالنزوح والتهجير القسري يعقبه الشعور بالاقتلاع وفقدان المجال الحيويّ المطمئن والمألوف، حيث يتعرّضون للانتقال المفاجئ والاضطراريّ إلى عالمٍ غريبٍ لا يتيح للكثيرين منهم مقوّمات الحياة العاديّة؛ ويعرف الفرد، في هذا الظرف القاهر الجديد، اضطرابًا على صعيد رؤية المستقبل.

ويتعرّض مجتمع النازحين للهامشيّة على صعيد التعليم، كما العمل المهنيّ فتطحن الصعوبات الاقتصاديّة الناجمة عن البطالة بمختلف أشكالها الأسرة، وتنعكس على تماسكها وخيارات أبنائها، ويعتريها الإحباط، وهو اضطرابٌ نفسيٌّ رائج كنتيجةٍ وليس كعلّة وهو الأكثر تفشّيًا في الحالة النوبية والسيناوية بسبب التهجير.

إنّ انعكاسات التهجير والتوتّرات المصاحبة له، من غموض المستقبل والأزمات الحياتيّة المصاحبة له من حيث المسكن، وصعوبة تأمين العمل، وكيفيّة تعليم الأطفال وعدم توفّر المدارس أو قلّتها، صبغَ الجوَّ الأسريّ للأسرة المهجرة بهالةٍ من التوتّر الدائم، صراع الأفكار حول العودة أو البقاء، وتبلّد في الجوّ الأسريّ، وكآبة وضيق، وفورات غضب بين الوالدين تنعكس على الأطفال على شكل إحساسٍ بالقلق والعجز، وأخيرًا القلق من الأخطار المفاجئة، وما تؤدّي إليه من تحديد حرّيّة الطفل بشكلٍ مرضيٍّ، وتضييق مجاله الحيويّ.

وتتأثّر وظائف الأسرة التي تم تهجيرها حينما تفقد قدرتها على إشباع حاجات أبنائها الماديّة والمعنويّة، ومن ثمّ تفقد انتماءها إليها، لأنّ الانتماء عمليّةٌ نفسيّةٌ جدليّة، تتكوّن بين الفرد والجماعة التي تحقّق له الإشباع، ويؤدّي عدم توفّر ذلك إلى شحوب الانتماء إلى الأسرة، ثمّ الانتماء إلى الوطن، وتهديد الهويّة كمحصّلةٍ نهائيّة.

هذه الظروف النفسيّة كلّها المحيطة بالمكوّن الاجتماعيّ الأساسيّ للأسرة، أدّت إلى حالةٍ من اليأس المزمن والعجز عن إيجاد حلولٍ لمسألةٍ تعدّت المسكن والوطن، وتخطّتها إلى أزمة الوجود الفرديّ بحدّ ذاته، وللشكّ بالقدرة على الاستمرار ببدائل في معظم الحالات، وهنا يصبح العجز بحدّ ذاته علّةً وسببًا حتميًّا لحالةٍ من الإحباط المستديم، وعدم القدرة على النهوض إلّا بحلولٍ حقيقيّةٍ لكلِّ أسرةٍ مصرية في سيناء والنوبة ومثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق وغيرها، تجد نفسها الآن في مهبِّ الريح، فلا ثوابتَ في ظل انقلاب السفيه السيسي تنتمي إليها ولا واقع تصبو إليه، مجرّد تأرجحٍ بين الاثنين.

رابط دائم