لا يمر يوم إلا ويلاحظ المتابعون من خلال بعض تدوينات “فيس بوك” إعلانا عن وفاة جندي أو ضابط في سيناء، رغم حالة التعتيم التي يفرضها نظام الانقلاب العسكري على المشهد هناك، بزعم تأثير نشر هذه الأخبار على الروح المعنوية للجنود والضباط في شبه الجزيرة التي دمر الانقلاب بنيتها التحتية والبشرية، بعد فرض مخطط التهجير؛ من أجل استكمال برنامج الإخلاء في إطار صفقة القرن لصالح الكيان الصهيوني.

وبالرغم من خروج قائد الانقلاب العسكري على فترات متفاوتة، ليعلن نجاح العملية الشاملة في سيناء، والقضاء على الهجمات الإرهابية التي يتخذها نظام الانقلاب ذريعة لتهجير أهالي سيناء، إلا أنه بعد مرور خمس سنوات كاملة على هذه الحرب الدائرة في أرض الفيروز، لم يبين السيسي سبب استمرار تلك الحرب حتى الآن، وما الذي تحقق على الأرض، في الوقت الذي يعلن فيه عن خسائر بشرية وهجمات متبادلة بين الجيش والمسلحين، والضحايا من أبناء سيناء.

تعليمات بالتكتم

وقال شهود عيان من أهالي سيناء، إن هناك تعليمات عسكرية مشددة للأهالي بأنه إذا تم التعامل مع أي وسيلة إعلامية سيتم مواجهتها بالاعتقال على الفور، إلا أن كتابة بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي عن وفاة ذويهم، فضحت حالة التعتيم التي فرضها نظام السيسي، وكشفت استمرار سقوط ضحايا خلال العملية التي يقوم بها الجيش، رغم مزاعم النظام والمتحدث العسكري بأن كافة القتلى من المسلحين.

يأتي ذلك رغم كشف منظمة العفو الدولية، في وقت سابق، أن الجيش المصري استخدم قنابل عنقودية خلال الغارات التي شنها خلال الشهور الأخيرة في شمال سيناء، وهو ما يفتح باب التساؤلات عن سلامة المدنيين من القتل العشوائي.

وقالت المنظمة، إنها استندت في تقريرها إلى فيديو بثه الجيش المصري يوم 21 فبراير الماضي، وأضافت أن الذخائر العنقودية في فيديو الجيش المصري أمريكية الصنع، ولا يمكن إلقاؤها إلا بواسطة سلاح الجو.

شهادة دولية

وقال الناطق باسم منظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية رائد جرار: إن لدى المنظمة أدلة على استخدام الجيش المصري قنابل محرمة دوليا في سيناء، وأضاف أن أدلة المنظمة بُنيت على شريط فيديو مصور من قبل القوات المصرية يظهر فيه جليا نوع القنابل ومصدر صناعتها.

ومع ذلك لم ينجح نظام السيسي في القضاء على الإرهاب في سيناء بشكل نهائي، رغم الإمكانات التي سخرها لمحاربة كل من يدب بقدمه على أرض الفيروز، سواء كان من بين ضحايا السيسي من أهالي سيناء، أو الإرهابيين الذين يشنون هجمات متبادلة مع الجيش.

ونشرت صحيفة “الجارديان”، في وقت سابق، مقالا للمحلل السياسي سايمون تيسدال، حذر فيه من أن رد نظام السيسي بالقبضة الحديدية على الهجمات الإرهابية لن ينجح.

وأضاف تيسدال أن ما يرد من بيان عسكري بأن الغارات نجحت في القضاء على بعض المواقع التابعة لمن نفذوا الهجوم على أماكن في سيناء أسقطت عددا من ضباط وجنود الجيش والشرطة غير صحيح، وسخر من معالجة النظام للحادث، مؤكدا أن الأمر “ليس بتلك البساطة، فلو كان السيسي وجنرالاته يعرفون مكان مواقع الإرهابيين لكانوا قصفوها قبل الهجوم”.

صفقة القرن وراء التعتيم

ويربط خبراء ومتابعون سياسيون بين حالة التعتيم المفروضة وبين أجندة صفقة القرن التي أصبحت على شفا التنفيذ، موضحين أن خمسة أشهر من الدعايا التي نظمها الجيش للعملية العسكرية 2018، للقضاء على عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، وعلى الرغم من أنَّ الحملة كان مقدرًا لها 60 يومًا إلا أنها امتدت ولا يعلم مداها إلا الله.

وتمثل سيناء، حسب المراقبين، أهمية كبرى في تنفيذ صفقة القرن، وهو ما جعل الحرب الدائرة هناك والتي يشارك فيها مختلف الوحدات العسكرية للجيش المصري، ذات وجهين: الأول وهو الظاهر ما يعلنه الجيش المصري بأنها حرب على تنظيم داعش، أما الوجه الآخر- وربما كان الحقيقي- فهو تهيئة كل العناصر المعنية بسيناء لصفقة القرن، واستدلَّ أصحاب هذا الرأي بطول الفترة العسكرية وموافقة إسرائيل على وجود كل هذه القوات المسلحة في المناطق الحرجة، وخاصة المنطقة (أ) بعتاد عسكري كان مرفوضًا في السابق مجرد اقترابه من سيناء، وهي الموافقة التي تعني أنَّ مصر تسير وفق مخطط أمريكي وإسرائيلي مشترك لإحداث تغيير ديموجرافي وجيوسياسي داخل المنطقة الأكثر من حيث الصراع والنزاع مع إسرائيل.

وطبقًا لمحللين عسكريين قالوا في تصريحات صحفية، إنَّ أحد أهم أهداف الحرب في سيناء متعلّق بتغيير العقيدة العسكرية للجيش المصري، خاصة وأنَّ العقيدة التي ترسخت منذ حركة 1952 التي قام بها تنظيم الضباط الأحرار، شكلت عقلية الجيش على وجود عدو أساسي بالمنطقة وهو إسرائيل، وأنَّ هذا العدو يهدف للاستيلاء على سيناء التي تعتبر أحد أهم مقدسات العسكرية المصرية، وبالتالي جرت بشأنها وحولها العديد من الحروب، بدءًا من العدوان الثلاثي 1956، ومرورًا بالنكسة الكبرى 1967، ثم انتصار أكتوبر 1973، وبالتالي كانت فكرة التخلي عن سيناء وأن يكون هذا التخلي للعدو الأزلي وهو إسرائيل، بحاجة لتغيير دراماتيكي في العقيدة العسكرية المصرية، وهو ما يحقّقه الآن عبد الفتاح السيسي منذ ظهر على سطح الأحداث بعد ثورة 25 يناير 2011.

كوارث متعمدة

وربط الخبراء بين أعمال هدم المنازل والبنايات التجارية والأراضي الزراعية بشمال سيناء، منذ عمليته التي بدأت في 9 فبراير 2018، وقد طالت أعمال الهدم وقت إصدار التقرير مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية وما لا يقل عن 3 آلاف منزل وبناية تجارية، فضلًا عن 600 منزل تمّ هدمها في  يناير 2018، وبين إنشاء منطقة أمنية عازلة جديدة حول مطار العريش بعد إعلان تنظيم “ولاية سيناء” مسئوليته عن هجوم بالصواريخ في 19 ديسمبر 2017 على قاعدة جوية ومروحية عسكرية.

كما كشفت حكومة الانقلاب دون أن تدري عن حقيقة ممارستها وتجاوزاتها ضد أبناء سيناء؛ حيث أعلن مدير أمن المحافظة اللواء رفعت خضر، خلال مؤتمر شعبي عقده محافظ شمال سيناء اللواء عبد الفتاح حرحور، تسليم آلاف الهواتف المحمولة التي سُحبت من الأهالي مع بدء العملية العسكرية في 9 فبراير 2018، وفي نفس المؤتمر أعلن رئيس أركان قطاع تأمين شمال سيناء العميد شريف العرايشى، السماح تموين السيارات بالوقود بعد توقف استمرَّ أربعة أشهر؛ حيث تم السماح بتموين السيارات الملاكي بـ20 لترًا كل أسبوعين، وسيارات الربع نقل بـ30 لترًا كل أسبوعين، محذرًا من يخالف ذلك بمعاملته معاملة الإرهابي.

وأعلن محافظ شمال سيناء بنفس المؤتمر السماح للصيادين بالصيد داخل مياه البحر بعمق 500 متر فقط لأول مرة بعد توقف 4 شهور، وصرف 2000 جنيه إعانة عاجلة للصيادين و500 جنيه لأصحاب المهن غير المنتظمة، تعويضًا لهم خلال الفترة التي أعقبت العملية الشاملة من توقف أعمالهم، وهي الإجراءات التي اعتبرها المراقبون تأكيدًا لما جاء في تقرير منظمة هيومين رايتس ووتش عن الأوضاع المأساوية بسيناء وحرب الإبادة التي يشنها الجيش هناك.

فيما أكد عدد كبير من أهالي سيناء عدم اقتناعهم بما يعلنه جيش السيسي عن أهدافه في سيناء، مؤكدين أنَّ كل شيء يدور حولهم يشير إلى أن هناك عملية منظمة لتطفيشهم من أجل صفقة القرن التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي مؤخرًا، واستدلوا بقرار رئيس الوزراء رقم 215 لعام 2017، الذي سمح للسيسي وللأسباب التي يقدّرها بعد موافقة وزارتي الدفاع والداخلية والمخابرات العامة ومجلس الوزراء، معاملة من يتمتع بجنسية إحدى الدول العربية ذات المعاملة المقررة للمصريين في المرسوم رقم 14 لسنة 2011، بالنسبة للوحدات بغرض الإقامة في سيناء.

رابط دائم