رغم الخيانات المتواصلة التي ارتكبها الانقلاب العسكري ونظام السيسي منذ يوليو 2013، في السر والعلن، سواء بفتح مصر على مصراعيها لكل الجهات الأجنبية، عبر الاستثمارات الوهمية والديون التي تُمكّن أصحاب الأموال الساخنة من التلاعب بالاقتصاد المصري، أو عبر اتفاقية “سي موا”، أو تأجير القواعد العسكرية للروس والأمريكان والإماراتيين والسعوديين، بجانب تقديم ملايين الأفدنة للصهاينة في سيناء أو في غرب مصر وجنوبها، وبيع المياه في البحر المتوسط لليونان وقبرص.

رغم كل تلك الكوارث، خطط السيسي لتقديم الجنسية المصرية لمن يدفع، تحت شعار الاستثمارات، فأصدر تعديلا تشريعيا على قانون الجنسية المصرية، يسمح بمنح الأجانب الجنسية المصرية مقابل سداد مبلغ مالي في صورة وديعة قدرها 7 ملايين جنيه (أقل من 400 ألف دولار).

وفي مؤتمر الشباب الأخير، تحدث السيسي عن هذا القانون، وقال إنه لن يؤثر سلبا على الأمن القومي. ويتيح القانون الجديد للمستثمرين بعد حصولهم على الجنسية المصرية، مقابل الوديعة، نفس حقوق المواطنين المصريين، كما يوكل القانون إلى وزير الداخلية ومجلس الوزراء إصدار اللوائح والقرارات المنظمة لمنح الجنسية للأجانب المقيمين بوديعة 7 ملايين جنيه، وذلك بالمخالفة الصريحة لنص المادة 6 من الدستور الحالي، التي تنص على أن “يحدد القانون (وليس قرارا لائحيا) شروط اكتساب الجنسية المصرية”.

التفاف على الدستور

وكشفت محاضر موافقة الحكومة ولجنة الأمن القومي بمجلس نواب العسكر على المشروع، في يوليو الماضي، أنهما التفتا على الملاحظة الدستورية الرئيسية التي سجلها مجلس الدولة على المشروع لدى عرضه عليه في أكتوبر 2016. فمجلس الدولة كان قد طالب الحكومة باتباع نظام الجنسية مقابل الاستثمار، المعمول به في العديد من دول العالم، كالولايات المتحدة وبريطانيا والعديد من جزر الكاريبي، باعتبار أن “الوديعة” لا تُسهم في تشجيع الاستثمار بالمشروعات الكبرى، التي تزعم الحكومة أنها السبب الحقيقي لاستحداث المشروع. واعتبرت الحكومة واللجنة أن “دفع الودائع النقدية هو إحدى صور الاستثمار غير المباشر، ويتيح زيادة العملة الأجنبية وإمكانية التصرف فيها وفق احتياجات الخزانة العامة، وزيادة الاحتياطات المالية من النقد الأجنبي”، بزعم أن الهدف الرئيس للمشروع هو “خلق الجو الملائم والمستقر لتشجيع الاستثمار الأجنبي لدعم الاقتصاد المصري”. ووفقاً للقانون الجديد، فإنه سيتم استحداث فئة رابعة لإقامة الأجانب بموجب وديعة نقدية مجمدة بأحد البنوك المصرية، بدون عائد، لن تقل قيمتها عن 7 ملايين جنيه مصري أو ما يعادلها بالعملة الأجنبية، وبعد 5 سنوات من إقامة دافع الوديعة في مصر يمكنه الحصول على الجنسية المصرية بقرار إداري من وزير الداخلية، بناء على ضوابط يحددها الوزير بعد موافقة مجلس الوزراء.

“البدون”

وعلى العكس من ذلك، يستخدم السيسي سلطاته لإسقاط الجنسية عن عدد غير محدود من المواطنين؛ لاتهامهم في قضايا ذات طابع سياسي في المقام الأول، ومن دون اشتراط أن يكونوا قد اكتسبوا جنسية أخرى، أو حاربوا الدولة المصرية لحساب دولة أخرى. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى ظهور فئة غير المجنسين أو “البدون”، كما يطلق عليهم في بعض الدول، لأول مرة في مصر.

هذا المشروع كان مقدما بالأساس من النائب مصطفى بكري، المعروف بقربه من بعض الأجهزة الأمنية والسيادية المشاركة في الحكم، كجزء من التصعيد الأمني ضد “الإخوان المسلمين” وغيرهم من مجموعات التيار الإسلامي، عقب حادث تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016. إلّا أن وزير الشئون النيابية مجدي العجاتي فى ذلك الوقت، أكد عدم دستورية المقترح لتعارضه مع نص الدستور الحالي، ورفض مناقشته في لجنة الشئون التشريعية بمجلس النواب. ثم وافق مجلس الوزراء يوم الخميس 20 سبتمبر على مشروع قانون أعده وزير العدل بحكومة الانقلاب حسام عبد الرحيم، يسمح لمجلس الوزراء بإسقاط الجنسية عن المصري المتمتع بها وحدها أو مع جنسية أخرى “في حالة صدور حكم قضائي يثبت الانضمام إلى أي جماعة، أو جمعية، أو جهة، أو منظمة، أو عصابة، أو أي كيان، أياً كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة، أو بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة”.

حكم قضائي

ووافق قسم التشريع بمجلس الدولة، في 18 ديسمبر، على مشروع مجلس وزراء الانقلاب، والذي نص على سحب الجنسية “حال صدور حكم قضائي يثبت انضمام حامل الجنسية إلى أي جماعة أو جمعية أو جهة أو منظمة أو عصابة أو كيان يهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة أو بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة”، وليس فقط الأحكام التي تثبت الانتماء لكيانات إرهابية. كما تضمن المشروع أيضا، زيادة المدة التي يجوز خلالها سحب الجنسية المصرية من الأجنبي الذي اكتسبها، لتكون خلال 10 سنوات بدلاً من 5 سنوات، إذا حكم عليه في مصر بحكم قضائي بات بعقوبة جنائية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة مخله بالشرف أو بجريمة مضرة بأمن الدولة من جهة خارجية أو داخلية، أو انقطاعه عن الإقامة في مصر بدون عذر يقبله وزير الداخلية.

وصار الطريق مفتوحا أمام البرلمان لإقرار القانون الذي ينتهك كل القيم والحقوق كوسيلة لعقاب ذوي الانتماء الوطني الأصيل على قيامهم بواجبهم الوطني في المعارضة ومقاومة الظلم، في الوقت الذي تمنح فيه جنسية مصر للأجانب، سواء الصهاينة أو الأمريكان أو أي أجنبي مقابل مبلغ مالي.

رابط دائم