مزاعم الجنرال عبد الفتاح السيسي، رئيس الانقلاب، حول اتهام الإخوان باستخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، لا تنطلي إلا على السذج وخفيفي العقول وسطحيي المعرفة؛ لأن الدين في حياة الإخوان هو منهج حياة، وعندما يمارسون السياسة بمرجعية إسلامية إنما يتسقون مع أنفسهم وهو حق لهم تماما، كما يمارس العلماني السياسة بمرجعية ليبيرالية أو يسارية وهو حق له أيضا، فلماذا تريدون من الإخوان أن يتخلوا عن أفكارهم وفلسفتهم التي يؤمنون بها؟.

لكن الأكثر دهشة أن الجنرال السيسي- وهو شخص لا يمكن أن تُحدد له أيديولوجيا أو فكرا متماسكا- هو أكثر من يوظف الدين عموما وليس الإسلام فحسب لخدمة أغراضه وأطماعه السياسية، كما يوظف العلمانية تماما؛ فالأمر يتعلق بتحقيق مصالحه، فإذا كان الدين هو ما يحقق مصالحه وأطماعه يوظف الدين ويستخدمه في تنفيذ وتبرير أحقر الممارسات التي تصل إلى حد الإجرام، كما حدث تماما في استعانته بمشايخ السلطة لتبرير مذابحه في رابعة والنهضة وغيرها، وفتاوى هؤلاء بإباحة الذبح والقتل، رغم أن الله تعالى نهى عن قتل النفس المؤمنة.

الدين في مشهد الانقلاب

ونظام 3 يوليو، تأسس على مشهد الانقلاب الذي يتجلى فيه بوضوح معالم النظام الجديد الذي تهيمن عليه المؤسسة العسكرية وتدعمه وتبرر جرائمه المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر والكنيسة من جهة، ومشايخ السلفية النفطية المصنوعين في دهاليز المخابرات وأمن الدولة “حزب النور”.

هي إذًا دولة 30 يونيو أو 3 يوليو، تقوم على نظام غريب وشاذ لا وجود له في العالم إلا في مصر، فهي دولة «عسكرية بنكهة ثيوقراطية دينية»، يتم فيها توظيف الدين لخدمة السياسة، وليس توظيف السياسة لخدمة الدين كما تدعو جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية المعتدلة الوسطية التي تؤمن بالتعددية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

ورغم أن الجنرال عبد الفتاح السيسي يزعم أنه قاد انقلابه على الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو 2013، لأنه أراد أن يغير هوية البلد ويقيم دولة دينية من خلال توظيف الدين في خدمة السياسة، إلا أن الجنرال لا تكاد تخلو خطاباته في السنوات التالية للانقلاب من نزعة دينية، كشفت ملامح فلسفته وتصوراته عن الإسلام، كما فرض وصايته على المؤسسة الدينية بصورة مطلقة، واحتكر الخطاب الديني ونزع عن مخالفيه صفة الإسلام والوطنية عبر أبواقه الإعلامية والدينية، في نزعة تكفيرية لا تقل في حدتها عن تنظيم “داعش” الإرهابي.

الخطاب الديني للسيسي يتسم بمعدلات عالية جدا من التسييس، وهو ما يتضح على مستويين: الأول هو مستوى التوظيف السياسي للدين من خلال التشديد على دوره في الحياة العامة وصياغة سلوك الناس وأفعالهم، والثاني كأداة في الصراع مع الشعب وخاصة الإسلاميين وجماعة «الإخوان المسلمين». لذا لم يكن غريبًا أن يصرح السيسي أنه قام بانقلاب ٣ يوليو «من أجل إنقاذ الإسلام ومصر من الإخوان». ومن المفارقات أن السيسي وقع في الإشكالية نفسها التي ينتقد بها جماعة «الإخوان» بل بفجاجة منقطعة النظير.

كما أن الخطاب الديني للسيسي هو خطاب فوقي بامتياز، فنشر الوعي الديني هو مسئولية الدولة وأجهزتها، وهنا يشير السيسي إلى أن الدولة مسئولة عن نشر «الوعي الديني الصحيح» بين المواطنين، وذلك من أجل مواجهة الفكر المتطرف وفق قوله. وهو يكرر دائمًا مقولة ضرورة تجديد الخطاب الديني، واستخدامه كأداة لنزع الشرعية عن الجماعات الإسلامية، خصوصا «الإخوان».

هذه التصورات هي التي دفعت النظام العسكري إلى تأميم الخطاب الديني ، والسيطرة المطلقة على المؤسسة الدينية واحتكار الحديث باسم الله، وتأميم كل المساجد والزوايا وتكفير المخالفين دينيا ووطنيا، في الوقت الذي التزم فيه العلمانيون أصحاب الدولة المدنية الصمت التام دون أي انتقاد، في ازدواجية للمعايير تؤكد أيضا أنهم يوظفون هذه المسألة بانتقائية شديدة لتحقيق أطماعهم ومصالحهم الخاصة.

وانتقد البعض إلحاح السيسي ما بين 2014 إلى 2016 على ضرورة تجديد الخطاب الديني، وطالبوه بالاهتمام بالخطاب الدنيوي ومحاربة الفساد، وتحقيق الحياة الكريمة للمواطنين، والانشغال بحل الانقسام الوطني والاجتماعي العنيف الذي يعصف بالوطن ويهدد مستقبله، بدلا من محاولات استخدام الخطاب الديني كأداة في الصراع السياسي الذي تعاني منه البلاد. واعتبروا خطاب السيسي “هروبي”، وأن الإلحاح عليه وتكراره بلا ملل هو محاولة للهروب من “الفشل” في شئون الدنيا، بافتعال أزمة في أمور الدين.

وعلى هذا النسق جاءت التصريحات الأخيرة لعلي جمعة، مفتي العسكر، الذي أفتى بقتل المعتصمين في ميدان رابعة وميادين مصر في منتصف عام 2013م، حيث اعتبر يوم 30 يونيو يوما من أيام الله كيوم ميلاد الرسول وفتح مكة، أزاح به الغمة وكشفها عن الأمة ونصر المؤمنين ومكنهم في الأرض، وأذل دولة الفاسقين الفاسدين المجرمين، وهو يوم نصر الله  فيه عبده وأعز جنده وهزم فيه الأحزاب وحده، مثل يوم بدر ويوم فتح مكة ومولد النبي”!، فهل هناك أقذر وأقبح من توظيف الدين لخدمة السياسة مثل هذا النموذج القميء؟!.

رابط دائم