هناك تحولات كبرى جرت على صفقة القرن؛ فقد انتهت الإدارة الأمريكية فعليا من أهم ثوابت تصفية القضية الفلسطينية؛ وذلك بالاعتراف بالقدس عاصمة للصهاينة وونقل السفارة في 15 مايو الماضي مع ذكرى النكبة، كما تسعى حاليا إلى إسقاط حق العودة وذلك بخنق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” والمعنية برعاية أكثر من 5,2 مليون لاجئ في 5 مناطق هي “غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا”؛ حيث أقدمت الإدارة الأمريكية والتي تنتمي إلى اليمين المتطرف بتجميد 300 مليون دولار مساعدات لأونروا من أصل 360 مليونا مساعدات سنوية.

كما ترعى واشنطن تحالفات إقليمية تضم عواصم عربية كبرى مثل الرياض والقاهرة وأبو ظبي وذلك من أجل دمج الكيان الصهيوني في المنطقة والانتقال من مربع الاعتراف الرسمي من النظم إلى تكثيف عمليات التطبيع الاقتصادي والشعبي بناء على مشروعات اقتصادية مشتركة تفضي إلى دمج تل أبيب في المنظومة الإقليمية.

ومع تعذر اقتطاع أجزاء من شمال سيناء وضمها لقطاع غزة من أجل تكوين وطن بديل للفلسطيين يمكن للاجئين العودة إليه وليس لأراضيهم التي اغتصبها الصهاينة، جرت تحولات كبرى تستهدف الفصل بين الضفة وغزة، وذلك بعرض تسوية تستهدف تحسين مستوى معيشة القطاع المحاصر منذ أكثر من 10 سنوات مقابل إتمام هدنة طويلة وتبادل أسرى ووقف الطائرات الورقية.

ولكن الغريب في الأمر هو رهن تحسين معيشة القطاع بمشروعات في مصر وليس في غزة! فلماذا هذا الربط الاقتصادي للقطاع بمصر.

بحسب الخبير والمتخصص في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي فإن مصر باتت المصدر الرئيس لبعض السلع الأساسية في قطاع غزة، التي توقفت إسرائيل عن إدخالها عبر المعابر التجارية كفعل عقابي على تواصل إطلاق الطائرات الورقية والبالونات المشتعلة. وأصبحت مصر المصدر الوحيد لتزويد غزة بالغاز المعد للاستخدام المنزلي، بعد أن كان القطاع يعتمد على إسرائيل في استهلاكه لهذه السلعة. إلى جانب ذلك، فإن القاهرة باتت تزوّد محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع بالوقود، وكذلك غزة بالبنزين والسولار، إلى جانب مواد أساسية أخرى.

بالطبع النظام في مصر لا يقوم بهذه التسهيلات من تلقاء نفسه أو إيمانا بالعروبة ودعم المحاصرين في القطاع أمام وحشية الصهاينة، لأن النظام في مصر ربما يكون أكثر وحشية من الصهاينة أنفسهم، لكنه الدور المطلوب منه في إطار صفقة القرن.

فلا يمكن الافتراض أن مصر تقوم بإدخال هذه المواد من دون موافقة تل أبيب، إذ إن القاهرة التزمت الصمت عندما أعلن وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قبل حوالي شهر أن مصر لا تقوم بفتح أو إغلاق معبر رفح إلا بعد التنسيق مع إسرائيل. ولعل أوضح مظاهر الارتياح التي عبّرت عنها أوساط اليمين الحاكم في تل أبيب لربط قطاع غزة بمصر اقتصادياً، هو ترحيب وزير الاستخبارات والمواصلات الليكودي يسرائيل كاتس، الذي قال إنه يتوجب تأييد كل المقترحات المتعلقة بمسار التهدئة مع المقاومة في قطاع غزة إن كانت ترتكز على تدشين مشاريع بنى تحتية داخل مصر.

«4» أسباب

وبحسب النعامي فإن أخطر ما يراهن ائتلاف اليمين الحاكم في تل أبيب على تحقيقه من خلال ربط قطاع غزة بمصر اقتصادياً:

أولا التخلص من تبعات اعتماد القطاع على إسرائيل اقتصادياً.

ثانيا، تكريس الفصل السياسي بين الضفة الغربية وغزة. ففي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي تكريس الوقائع الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن إلحاق غزة بمصر اقتصادياً يمهّد نحو تكريس القطاع كوحدة سياسية منفصلة يمكن التعاطي معها واقعياً كـ “دولة فلسطينية”، وهذا ما يستجيب لما جاء في المقترحات التي بلورتها إدارة ترامب لحل الصراع، والتي يُطلق عليها “صفقة القرن”.

ثالثا، إلى جانب ذلك، فإن إلحاق غزة بمصر اقتصادياً يعزز من قدرة إسرائيل على تحقيق أهداف استراتيجية وأمنية أخرى. منها تعزيز قدرة نظام السيسي على ابتزاز حركة “حماس”، ومنعها من التعرض لإسرائيل عسكرياً، إلى جانب محاولة إجبار الحركة على إبداء مرونة في كل ما يتعلق بملف الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لديها.

رابعا، مما يغري نظام السيسي بالتحمس لإلحاق غزة بمصر اقتصادياً، حقيقة أن إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادية ستكون أكثر المستفيدين من هذا الربط، إذ إن الكثير من السلع التي تدخل غزة تكون من إنتاج مصانع الجيش، مثل الإسمنت، ناهيك عن استفادة النظام من الضرائب التي ستفرض على حركة البضائع.

رابط دائم