يستهوي بعض النشطاء التفريق بين 30 يونيو وما جرى في 3 يوليو، لكن اليوم وبعد 5 سنوات من هذا اليوم الأسود، تكشّفت كثير من الحقائق تؤكد أن مشهد 30 يونيو كان مفتعلا، وتم التحضير له عبر مؤسسات الدولة العميقة “المخابرات الحربية والأمن الوطني والقضاء” مع تحريض سافر من إعلام موالٍ لرجال أعمال مبارك، تربطهم شبكة مصالح كبيرة بكبار الجنرالات والقوى الدولية والإقليمية التي دعمت بالمليارات لإنجاح هذا الانقلاب الإجرامي، ليس على أول رئيس مدني منتخب فحسب، بل على مسار ثورة يناير بأكمله.

اليوم وبعد 5 سنوات من الكارثة، هل يشك أحد في أن نظام عبد الفتاح السيسي هو ثمرة زواجٍ حرام بين المال الخليجي الكاره للربيع العربي والغل الصهيوني تجاه أي محاولةٍ للانعتاق من التبعية والطاعة للمشيئة الإسرائيلية في المنطقة؟.

الحق أن إعلان الجنرال عبد الفتاح السيسي بزيه العسكري بيان 3 يوليو لم يكن ليحدث لولا لقطة 30 يونيو، التي أريد لها أن تتحقق أولا كشرط لإعلان الدولة العميقة تمردها وانقلابها على المسار الديمقراطي، وما اعترافات قيادات بتمرد انشقت بعد الانقلاب بأن الحركة تلقت دعما بملايين الدولارات من سفارة أبو ظبي بالقاهرة إلا نموذج لحجم الاختراقات والتدخلات السافرة لوقف مسار ثورة 25 يناير، وهو ما كشفت عنه تسريبات قناة مكملين للواء عباس كامل، مدير المخابرات العامة حاليا، والذي كان مديرا لمكتب الجنرال عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، يحكم مصر من مكتبه بالعباسية.

ووفقا للكاتب والمحلل السياسي معين البياري، في مقاله اليوم بعنوان “في تذكر 3 يوليو” بصحيفة “العربي الجديد”، فإن ما جرى في مصر مساء 3 يوليو 2013، لم تعد المسألة في شأنه أنه كان انقلابا عسكريا أم استجابةَ القوات المسلحة لثورة الشعب في ساعاتٍ ثلاثٍ مساء يوم 30 يونيو/ حزيران 2013، ليس لأن ما شهده هذا البلد في السنوات الخمس الماضية، في غير شأن، ثقيلٌ وأزاح ذلك السؤال إلى الوراء، وصيّره من مشاغل الأكاديميين، وإنما أيضا لأن أي طالب في العلوم السياسية يحسم الإجابة ببديهيةٍ، موجزُها أن إعلان وزيرٍ للدفاع، مرتديا بزّته العسكرية، خلْعَ رئيس الجمهورية، للبدء بخريطة طريقٍ مخترعةٍ للتو، لا تسمية له سوى أنه انقلاب، وإن استدعى هذا الوزير، لتزيين مشهد إعلانه ذاك، شيخ الأزهر وبابا الكنيسة القبطية المرقسية، وبينهما الداعية النحرير إلى الحياة المدنية محمد البرادعي».

الأمر الآخر أن هناك انقلابات عسكرية وقعت على ديكتاتوريات تكلست في مقاعد السلطة لسنوات، لكنها جاءت لتحقيق انفراجة في الحريات ومنح الشعب بعض حقوقه، وقوبلت بارتياح شعبي حقيقي، أو لانعطافةٍ يُحدثها هذا الانقلاب نحو مسارٍ يتوفر على مقادير معقولةٍ من الانفتاح الديمقراطي والتعدّدية والتداول السياسي، كما فعل انقلاب وزير الدفاع المشير عبد الرحمن سوار الذهب على الرئيس جعفر نميري في السودان.

فهل جاء انقلاب 3 يوليو بشيء من ذلك؟ زادت المذابح، وسُفكت الدماء، وصودرت الحريات، وكممت الأفواه، وأغلقت القنوات وحجبت المواقع، وضُيق على الحياة المدنية، فهل هذه أجواء ثورة أم انقلاب فاشي؟.

هل تحققت خريطة الطريق؟

وإنْ صحّ قول إن مصريين ليسوا قليلين أسعدتهم إزاحة “الإخوان المسلمين” عن الحكم، وإطاحة الرئيس المدني المنتخب، محمد مرسي. فقد كان هناك 12 مليونا انتخبوا منافسه الفريق أحمد شفيق ممثل المؤسسة العسكرية في انتخابات 2012م، لكن خريطة الطريق التي أعلن عنها الجنرال في مساء ذلك اليوم، هل حققت أشواق المصريين نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟ هل عبرت 30 يونيو بمن شاركوا فيها نحو خلاصٍ حقيقي من نظام حسني مبارك وبناه العميقة، بل على العكس، استقوت هذه البنى، وتمثيلاتُها غير القليلة، بالنظام الذي طرأ صيف 2013.

ماذا كسب تحالف الثورة المضادة؟

بقليل من الجهد من خلال رصد مواقف الرباعي (السعودية، وتتبعها البحرين- الإمارات- إسرائيل- أمريكا)، سنكتشف أن هذا الرباعي يحتفل بحصاد ما زرعه في مصر الآن، ويحاول أن يشعل المنطقة كلها على رؤوس من فيها، من أجل الحفاظ على كنزهم الاستراتيجي الجديد، هذا الكنز رباعي الأبعاد، ويلبي مطالب أربعة أوغاد في وقت واحد.

يقول وائل قنديل”، في مقاله “القاهرة 30 يونيو: انقلاب اعتدال”، «دعني أذكّرك بأن صحيفة عكاظ الملكية السعودية سبقت “الأهرام” الحكومية المصرية بثلاثة أيام فى التبشير والاحتفال بانقلاب وزير الدفاع على الرئيس المنتخب، حيث كتب رئيس التحرير السعودي، صباح الأحد 30 يونيو “العسكر يحكمون مصر لفترة قصيرة مؤقتة لا تتجاوز عاما”.

يضيف قنديل: «قلت وقتها إنك لو وضعت فى الاعتبار أن هذا النوع من الأخبار ينتمى إلى حصص الإملاء أكثر بكثير مما يعتمد على الشطارة الصحفية والدأب المهنى، بحيث يتحوّل كاتبه إلى وعاء أو “عامل ديليفري”، أو حمامة زاجل لتوصيل الرسائل، فإن علامات استفهام كثيرة تفرض نفسها، أهمها: لماذا تنفرد الصحيفة السعودية بخطط العسكر لمستقبل مصر قبل صحف القاهرة؟»

عليك الآن، أن تجيب عن السؤال: ماذا أخذ المواطن المصري، وماذا أخذ الرباعي (الرياض ومعها المنامة- أبو ظبي – تل أبيب- واشنطن) من “30 يونيو”؟

السعودية أخذت جزيرتي تيران وصنافير، مشاركةً مع إسرائيل. والإمارات وضعت يدها على مصر كلها، بعد أن كان منتهى حلمها تدمير فكرة مشروع خليج السويس الذي بدأه الرئيس محمد مرسي. وتل أبيب صارت خجلى من عطايا السيسي، ورعاته، حتى تكاد تشعر بتخمةٍ تطبيعيةٍ، تستوجب إنشاء إدارةٍ تتولى المفاضلة والاختيار بين أفضل عروض الليكودين العرب، لإقامة علاقات تعاون وتحالف معها، وأميركا ترامب عادت تحلب نفط الخليج، بكمياتٍ أكبر مما سبق.

في المقابل، هل حصل المواطن المصري على شيءٍ، سوى النزيف الحاد في الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية؟.

نعم، حصل على جنيه مصري نقص منه 250% من قيمته، وحصل على لتر وقود بأربعة أضعاف سعره قبل الانقلاب السعودي الإماراتي الإسرائيلي على ثورة يناير. حصلت كميات هائلة من المهانة والعار، والانهيار الشامل، الممتد من السياسة والاقتصاد إلى الحالة الاجتماعية والأخلاقية، في إطار حالة ردة حضارية عنيفة، وانسلاخ من قيمٍ تجسّد الحد الأدنى من الفطرة الإنسانية السوية، مصنوعةٍ بعنايةٍ وحساباتٍ دقيقة، لإنتاج مواطنٍ مهزوم وجوديا، في وطنٍ منهزم حضاريا، أكثر انكسارا من “القاهرة 30″، قاهرة محجوب عبد الدايم.

رابط دائم