تسبب مشروع قانون «تنظيم الفتوى»، المقدم من أمين سر اللجنة عمر حمروش، وأكثر من 60 نائبًا آخرين، في تصاعد حدة الصراع داخل المؤسسة الدينية الرسمية، بين مشيخة الأزهر من جهة ووزارة الأوقاف من جهة أخرى، ودارت رحى المعركة حول مَن له حق الفتوى وإصدار تراخيص الإفتاء؛ حيث تحفّظت المشيخة وهيئة كبار العلماء على صياغة مشروع القانون الذي أقرته اللجنة الدينية بالبرلمان، مساء الثلاثاء 03 يوليو 2018م، وطالبت بقصر الفتوى على هيئة كبار العلماء ودار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية، واستبعاد “الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف”، باعتبارها جهة تنفيذية وليست علمية.

وبعد سنة من الجدل، تجدد الصراع أمس، حيث توافقت اللجنة البرلمانية حول أحقية كل من الأزهر والأوقاف في الفتوى، إلى إنشاء إدارة للفتوى العامة بوزارة الأوقاف في مشروع القانون. وهو ما اعترضت عليه هيئة كبار العلماء في الأزهر بشكل رسمي، غير أن اللجنة تمسكت بموقفها، كون التشريع اختصّ الإدارة بإصدار الفتاوى العامة، باعتبار أنها “جهة تنفيذية”، وليست علمية كالأزهر والإفتاء.

واستندت اللجنة الدينية في البرلمان إلى تقدم وزارة الأوقاف بمستندات تثبت وجود إدارة للفتوى في هيكل الوزارة منذ عام 1982، وأن أئمة المساجد لهم اختصاص بالفتوى، إذ كشف رئيس اللجنة أسامة العبد، أخيرًا، عن أن “اللجنة تعد حاليًا تقريرها النهائي بشأن مشروع القانون، تمهيدًا لإرساله إلى هيئة مكتب البرلمان، لمناقشته في الجلسات العامة خلال الأسابيع المقبلة”.

مشروع القانون يحظر الفتوى على أي جهة بأية صورة، إلا إذا كانت صادرة من هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، أو دار الإفتاء المصرية، أو مجمع البحوث الإسلامية، أو الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف، ومن هو مرخص له بذلك من الجهات المذكورة، ووفقًا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية للقانون.

هذا الإقرار من جانب اللجنة الدينية التي يتولى الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر الدكتور أسامة العبد رئاستها، إضافة إلى الدكتور أسامة الأزهري مستشار الجنرال السيسي للشئون الدينية، اعتبره البعض كسرًا لشوكة الأزهر السياسة وانحيازًا من النظام للأوقاف.

وحمل موقف البرلمان بالوقوف في صف الأوقاف على حساب الأزهر مفاجأة للأوساط السياسية، حيث اعتاد النظام الحاكم أن يرجح كفته في كل صدام يحدث مع الأوقاف خلال السنوات الماضية، ما يوحي أن التغير الجذري يحمل دلالات عديدة.

ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها مقدمة ليدفع الأزهر فواتير ترتبط بمواقف سابقة لم يكن فيها طيعًا في يد النظام والجنرال، مثلما رفض طلب السيسي إصدار فتوى تشرّع عدم وقوع الطلاق الشفهي، في محاولة للحد من ظاهرة الطلاق والحفاظ على أركان الأسرة من الانهيار، بعد أن احتلت مصر المرتبة الأولى عالميا في نسب الطلاق.

وعلى الأرجح فإن النظام يفضل الحفاظ على توازن المعادلة قدر المستطاع، مع ترجيح نموذج مختار جمعة المستأنس والطيع في يد النظام، وربما تحمل الشهور المقبلة محاولات سلطوية لتقليص نفوذ المشيخة وهيئة كبار العلماء، أو إجراء تغييرات جذرية تفضي إلى تحويل المشيخة والهيئة إلى صورة مستنسخة من الأوقاف لتطويع الفتوى والدين لخدمة الأغراض السياسية للنظام.

صراع الطيب وجمعة

رفْضُ هيئة كبار العلماء ومشيخة الأزهر منح الأوقاف حق الفتوى، في يونيو 2018، دفع الصراع بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ومختار جمعة وزير الأوقاف، نحو تصعيد الصدام بينهما، وترتب عليه أن قررت الأوقاف وقتها إنشاء مكاتب فتوى عامة في محطات المترو؛ تعبيرًا عن الرفض لموقف الطيب وهيئة كبار العلماء، ثم تراجعت بعد انتقادات حادة من جانب التيار العلماني، بل إن مختار جمعة المقرب بشدة من الأجهزة الأمنية صرح بأن هيئة كبار العلماء لا تعبر إلا عن نفسها عندما انتقدت قرار الخطبة الموحدة.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن قيادات مشيخة الأزهر ترى أن وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، الذي جاء إلى منصبه في أعقاب انقلاب يوليو سنة  2013، ولم يغادره منذ حينها، رغم تورّطه في العديد من قضايا الفساد المالي، يسعى بكل الطرق إلى إزاحة شيخ الأزهر، الإمام أحمد الطيب، من منصبه، ليتولى المشيخة مكانه، استغلالًا للخلاف الدائر بين الطيب وجنرال الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

ويرى بعض نواب البرلمان أن ما يحدث هو صراع بين الدولة و”المشيخة”، إذ يتردد أن هناك جهات داخل الدولة لا تريد بقاء الطيب في منصبه المحصّن ضد العزل دستوريًّا، مشيرين إلى تمتّع الأوقاف بحماية رئاسية. وهو ما سمح للوزارة بالتوسع في الإفتاء في المساجد الكبرى، وفي الأماكن العامة، كما حدث من قبل في محطات مترو الأنفاق، وأمام مختلف وسائل الإعلام.

سبق وأصدرت وزارة الأوقاف المصرية، بالتعاون مع المجلس الأعلى للإعلام، قائمة بالعلماء المصرح لهم بالفتوى في وسائل الإعلام والبرامج الدينية، تصل إلى 136 اسما، استحوذت الوزارة على نحو 70 في المائة من تلك الأسماء، وتركت البقية لمشايخ الأزهر. وهو ما دل على تفوّق وزارة الأوقاف على المشيخة، ورضا النظام عنها، والمضي قدمًا في اتجاه تقليص دور الأزهر.

الخوف من تطويع الفتوى لخدمة النظام

لكن مصادر مطلعة بهيئة كبار العلماء كانت قد كشفت لموقع “مصر العربية”، في يونيو  2018م، عن الأسباب الحقيقية وراء تحفظ المشيخة والهيئة، فكلاهما يتخوفان من توظيف القيادة السياسية للإدارة العامة للفتوى بالأوقاف في تمرير فتاوى ذات طابع سياسي، على اعتبار أن الأوقاف وزارة حكومية وليست مستقلة، بينما المشيخة وهيئة كبار العلماء يتمتعان بالاستقلالية وفق نصوص الدستور.

وبالتالي فإن الهيئة تتخوف من استسلام الأوقاف، كما هو معتاد، أمام ضغوط النظام وتوجيهها نحو إصدار فتاوى تتوافق مع هوى النظام السياسي وتتعارض مع الشريعة الإسلامية. وتستدل هذه المصادر بتخوفات من تمرير مسائل رفض الأزهر تمريرها في السابق، ومنها مشروع القانون الذي يسمح لرئيس الوزراء بتغيير شروط الوقف، ما يمهد للنظام السطو على مئات المليارات من أموال الوقف؛ كما أن القيادة السياسية سبق وأن استغلت الأوقاف في تمرير ما يسمى بالخطبة المكتوبة، وسط مخاوف من تطويع الأوقاف للفتوى لخدمة هوى النظام السياسي في مسألة الطلاق الشفوي، وهو ما يتزامن حاليا مع مناقشات مشروع قانون الأحوال الشخصية في أروقة برلمان العسكر.

أضف إلى ذلك أن المشيخة والهيئة لا تمانعان من ممارسة الأئمة للفتوى في صورتها الشخصية والفردية مع عموم الناس في المساجد، لكنها تتخوف من التوظيف السياسي للفتوى العامة التي تتعلق بالنظام والناس وتؤثر في مستقبل البلاد.

ورغم مسحة الاستقلالية التي تتميز بها المشيخة وهيئة كبار العلماء، إلا أن دفاع الأزهر عن حقه ومؤسساته ودار الإفتاء وفقط في الاستئثار بالفتوى دون غيره، يفسره البعض بأنه محاولة لاستعادة النفوذ المفقود خلال الفترة الأخيرة لصالح الأوقاف، ومن ثم دخلت المشيخة المعركة بكل قوتها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصادم بين المشيخة ورئاسة الانقلاب في أعقاب المواقف الصامدة للإمام الأكبر، والتي نالت استحسانًا كبيرًا من جانب قطاعات شعبية واسعة، ورأت فيه شموخًا بقدر عظمة الأزهر الشريف ومكانته السامية في نفوس المسلمين على مستوى العالم؛ خصوصا بعد خطاب الإمام الأكبر في احتفالية المولد النبوي الشريف ودفاعه عن السنة ضد الطاعنين في مكانتها وقيمتها في التشريع الإسلامي.

رابط دائم