تشكيلة الحكومة التركية التي أعلن عنها الرئيس رجب طيب أردوغان، تضمنت بعض الإشارات المهمة حول آلية عمل النظام الجديد ومتغيراته، في ظل التحولات الجارية من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وفق التعديلات الدستورية التي أجريت في 2017م.

ضمت التشكيلة نائبا واحدا للرئيس و16 وزيرا، بينهم سيدتان. ويبلغ متوسط أعمار الوزراء 49 عاما، وكانت أصغرهم سنا وزيرة العمل والخدمات الاجتماعية والعائلة، زهرة زمرد سلجوق (39 عاما)، وأكبرهم سنا وزير الدفاع- رئيس الأركان السابق- خلوصي أكار (66 عاما).

الملاحظة الأولى ــ بحسب الخبير في الشأن التركي إسماعيل الحاج ــ على التشكيل الحكومي الجديد: هي اختيار أردوغان فؤاد أوكتاي نائبا له، وهو إداري سابق في الخطوط الجوية التركية والرئيس السابق لرئاسة إدراة الكوارث والطوارئ “أفاد”، وشغل “أوكتاي” منصب مستشار   رئاسة الوزراء منذ يونيو 2016، حيث كان يقوم بتنسيق العمل بين مختلف الوزارات والمؤسسات، واختياره يعني قيامه بدور المنسق كما كان في مجلس الوزراء ومتابعة عمل المؤسسات الأخرى.

الملاحظة الثانية: أن أغلب الوزراء “تكنوقراط” من داخل بنية الوزارات أو من القطاع الخاص، وبالتالي غير سياسيين وغير حزبيين، كما ألمح إلى ذلك أردوغان مسبقا عدة مرات. ويبدو أن أربعة فقط من وزراء الحكومة من قيادات العدالة والتنمية (وهم الذين حافظوا على تواجدهم في الحكومة)، وهو ما يدعم رؤية أردوغان التي تترك لمؤسسة الرئاسة رسم السياسات وللوزارات تنفيذها.

الملاحظة الثالثة: احتفظ أربعة وزراء فقط بمناصبهم الوزارية من بين أعضاء الحكومة السابقة، وهم وزراء الداخلية سليمان صويلو، والخارجية مولود تشاووش أوغلو، والعدل عبد الحميد غل، إضافة لبراءت البيراق، وزير الطاقة السابق الذي عين وزيرا للخزينة والمالية، والتي هي عمليا نتيجة دمج وزارتين معا. ويبدو أن الأمر متعلق بتقييم إيجابي لأداء هؤلاء الوزراء في الحكومة السابقة. فقد حقق صويلو نجاحات واضحة في الملف الأمني ومكافحة العمليات الإرهابية التي انعدمت أو تكاد في البلاد، كما وصل تشاووش أوغلو إلى نتائج إيجابية وتوافقات مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية والأطراف الأخرى مؤخرا، مثلا.

الملاحظة الرابعة: غابت الأسماء المعروفة في الملفات الاقتصادية، مثل شيمشك وأغبال، ومن قبلهما علي باباجان الذي سرت شائعات حول عودته للحكومة. بينما يبدو أن إدارة الملفات الاقتصادية ستسلم لوزير الطاقة السابق وصهر الرئيس براءت ألبيراق، إضافة لوزير الطاقة- مستشار الوزارة السابق- فاتح دونماز، ووزير التجارة روهصار بيكجان.

وهو تفصيل قد لا يكون مريحا للمؤسسات الدولية وبعض الدول التي اعتادت على الأسماء سالفة الذكر؛ ووثقت بها لسنوات باعتبارها من ضمانات الاقتصاد التركي، فضلاً عن مؤشرات اختيار شخص مقرب من أردوغان فيما يخص سياساته المالية والعلاقة مع المصرف المركزي، وغيرها من الملفات. ويبدو أن ذلك كان من أسباب تراجع الليرة سريعا أمام العملات الأجنبية بعيد إعلان التشكيلة الحكومية، وليس واضحا بعد ما إذا كان الأمر مجرد تذبذب مؤقت أم أنه أثر طويلُ الأمد.

الملاحظة الخامسة: يرى إسماعيل الحاج الخبير في الشأن التركي، أن تعيين رئيس الأركان الجنرال خلوصي آكار وزيرا للدفاع. جاء ثقة فيه لانحيازه إلى النظام الديمقراطي ضد الانقلابيين، وأثبت احترامه لإرادة الشعب التركي، واستحق هذا المنصب بعد أن نجح في الاختبار. كما أن بقاء “صويلو” وزيرا للداخلية جاء بعد تقييمات إيجابية للغاية بعد تراجع معدلات الإرهاب بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين. كما أن بقاء صويلو في منصبه وتعيين آكار وزيرا للدفاع يؤكدان أن الملف الأمني سيكون على رأس أولويات الحكومة الجديدة. كما أن ملف الاقتصاد سيكون من أهم الملفات في المرحلة المقبلة، في ظل الهجمات التي استهدفت اقتصاد تركيا وعملتها الوطنية قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ويتوقع مراقبون استمرار هذا النوع من الاستهداف، ولعل هذا ما دفع أردوغان إلى تعيين صهره براءت ألبيرق وزيرا للخزانة والمالية.

الملاحظة السادسة: الصورة لن تكتمل قبل الإعلان عن تفاصيل وقيادات المكاتب واللجان والهيئات التي سيشكلها أردوغان لتُعينه في إدارة مختلف الملفات، والتي يمكن أن تضم بعض الأسماء الكبيرة التي بقيت خارج التشكيلة الحكومية، لا سيما أن بعض هذه المكاتب واللجان قد تختص برسم السياسات التي يفترض أن تنفذها الحكومة، الأمر الذي يجعل التقييم الحالي للتشكيلة الحكومية تقييماً أوليا ومجتزأ من الصعب تعميمه على واقع السلطة التنفيذية وأدائها ككل، الأمر الذي سيتضح قريبا مع الإعلان عن خريطة المكاتب واللجان ومسئوليها.

الملاحظة السابعة: تبدو الشوشرة التي تطلقها صحف تحالف الثورات المضادة حول تعيين براءت البيراق، وزير الطاقة السابق الذي عين وزيرا للخزينة والمالية، مثيرة للشفقة؛ ذلك أن ترامب عين صهره “جاريد كوشنر” كبير مستشاري البيت الأبيض وسط ترحيب هذه الدول دون أي تحفظ، فلماذا يتحفظون هنا ويباركون هناك؟ كما أن الرجل وزير سابق للطاقة وأكاديمي بارز، حيث درس إدارة الأعمال في جامعة إسطنبول، وحصل على شهادة الماجستير في مجال المالية من جامعة بيس في نيويورك، كما حصل على شهادة الدكتوراه في مجال الطاقة المتجددة من إحدى الجامعات التركية بعد أن عاد من الولايات المتحدة. وعمل في القطاع الخاص، كما قام بتدريس المصرفية والمالية في جامعة مرمرة بإسطنبول، ما يعني أنه ليس ببعيد عن مجال الحقيبة التي تولاها.

رابط دائم