سيطرت سلطة الانقلاب العسكري على معظم – إن لم يكن كل – مظاهر الحياة الاقتصادية في مصر، وتعد أراضي الدولة المصرية من أبرز القطاعات التي يستحوذ عليها العسكر، وتمت السيطرة على مراحل عدة، وصلت ذروتها عقب انقلاب 3 يوليو 2013.

من ذلك، ما يروج الآن داخل أروقة حكومة الانقلاب، عن بدء بيع أراضى “العاصمة الإدارية ” للدول بزعم ضخ استثمارات والحصول على أراض بها، بعدما تلقت شركة العاصمة الإدارية المملوكة للمخابرات طلبات من عدة دول لشراء أراضى داخل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة بمساحات شاسعة وبثمن بخس.

في العام 2015، كان قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي قد أعلن عن مشروع العاصمة الجديدة، وتقام على قرابة 170 كيلومترًا مربعًا. وتمتلك وزارة الدفاع 51% من الشركة ووزارة الإسكان تمتلك 49% من أراضي العاصمة الإدارية.

60 دولة

وقع الكارثة المغلفة التي كشفها اللواء أحمد زكي عابدين، رئيس شركة العاصمة الإدارية الجديدة، أن الشركة تلقت طلبات من 60 دولة أجنبية وعربية للحصول على (أراضي) بمشروع العاصمة الإدارية الجديدة في إطار إنشاء سفارات لها داخل الحي الدبلوماسي، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والإمارات والسعودية، ودول آخرى.

“عابدين” زعم في تصريح له اليوم الأحد، أن الفترة الأخيرة شهدت إقبالا كبيرا من مختلف سفارات الدول الأجنبية والعربية، الذين تقدموا بطلبات للموافقة على الحصول على قطعة أرض لإنشاء سفارة وقنصلية لبلادهم داخل العاصمة الإدارية.

وبزعم الترويج في إطار التعاون بين مصر ودول العالم، أكد رئيس الشركة أن الفترة الماضية زار العاصمة الإدارية الجديدة نحو 100 سفير عربي وأجنبي وتفقدوا الحي الدبلوماسي بمشروع العاصمة واستمعوا لعرض عن الحي الدبلوماسي ومساحته، وكيفية شراء قطعة أرض والمواعيد المفقرة للبناء.

1500 فدان

وأوضح اللواء أحمد زكي عابدين، أن مساحة الحي الدبلوماسي 1500 فدان، ويشمل كل السفارات الموجودة داخل القاهرة، لافتا إلى أن سعر متر الأرض بنفس الأسعار التي حصل عليها المطورين العقارين، ولكن الدفع سيكون بالدولار.

وأشار إلى أن الشركة نوعت فى مساحات الأراضي المخصصة للسفارات طبقا لرغبة كل سفارة، تبدأ بمساحة 2 فدان وتنتهي بـ22 فدانا، حسب الظروف المالية لكل دولة ورغبتها في الحصول على المساحة اللازمة.

يقول الباحث والكاتب الصحفي عامر عبد المنعم إنه لم يكن اختيار وزير الإسكان الدكتور مصطفى مدبولي رئيسا للوزراء إلا تعبيرا عن التوجه الجديد للحكومة وهو التركيز على بيع الأراضي والمتاجرة في العقارات، واختزال النشاط الحكومي في هذا المجال الاستثماري وترك الواجبات الأساسية ومواجهة التحديات التي تهدد وجود الدولة المصرية مثل نقص المياه والانهيار الاقتصادي والتردي السياسي والأخلاقي.

ويتحدث” عبد المنعم: قائلا: “لا يخلو مؤتمر رسمي عن الإنجازات من الحديث عن المدن المليونية حتى فوجئنا أن ما يتحدثون عنه مجرد مدن سياحية معروضة للبيع للأجانب والطبقة المترفة التي تمثل نسبة 1% بينما لا يوجد شيء للمواطنين المصريين، وكانت الأسعار المعلنة للوحدات التي تبيعها الحكومة لا تقل عن مليون جنيه!

عواد يواصل البيع

الباحث عمر عبد الله، قال إن تداعيات منح 60 دولة عربية وأجنبية أراضي لمصر على إثر تصريحات اللواء أحمد زكي عابدين تؤكد أنها “حلقة من مسلسل التفريط في الأراضي المصرية”.

وأضاف “عبد الله” في تصريح له، خصصت مصر مساحة من أراضيها للسعودية؛ لتنضم إلى مشروع مدينة متطورة، كشفت عنها الرياض في أكتوبر الماضي، وأن الجنرال السيسى تعهد بألف كيلومتر مربع من الأراضي في جنوب سيناء، لتكون ضمن مدينة “نيوم” السعودية.

وتعد هذه الأراضي الواقعة بمحاذاة البحر الأحمر جزءاً من صندوق مشترك، قيمته عشرة مليارات دولار، أعلنت الدولتان تأسيسه خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة.

ويكمل: التصور الطبيعي للعسكر أن كل شيء له ثمن في مصر من المصانع والأراضى والمناطق السكانية المهملة، مقابل مليارات في خزائن السيسى ورفاقه.

ملك للشعب

نص القانون يقول: “أرض مصر ملك للشعب المصري” وهو الوحيد صاحب الحق في التصرف فيها، حسب جميع النصوص الدستورية، وآخرها دستور الانقلاب فى 2014، الذي ينص في المادة 32 على أن “السيادة للشعب، وأن الموارد الطبيعية ملك للشعب، تلتزم الدولة بالحفاظ عليها، وحُسن استغلالها، وعدم استنزافها، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها ولا يحق لأحد التصرف فيها دون وجه حق أوو بالمخالفة للقانون”.

وذكر أيضًا في المادة 34″ للملكية العامة حرمة، لا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب وفقًا للقانون” وبالتالي فإن أي اعتداء أو عدوان أو استيلاء على أراضي الدولة أو استغلالها بخلاف النشاط المخصصة له يعد مخالفاً للدستور والقوانين التفصيلية المعنية بالمسألة.

الأرض المستباحة

عقب الانقلاب العسكري زاد النظام العسكري من بسط سيطرته على أراضي الدولة ضمن الخطة العامة للعسكر بالسيطرة على الاقتصاد المصري، وذكر تقرير لموقع “ميدل إيست آي” صدر في مارس 2016 أن العسكر يستحوذون على ما بين 80 – 90% من أراضي مصر.

وسبق أن منح السيسي قطع أراض مساحتها 164 فداناً لأمير الكويت بعدما أصدر قانونًا بمعاملته كالمصريين،تبعه بقرار جمهوري مشابه بمعاملة ملك البحرين كالمصريين في تملك الأراضي ويمنحه قطعة أرض بشرم الشيخ ،كما صدق المنقلب السيسي على قرار معاملة مواطن سعودي هو ” محمود محمد بن ناصر الصالح” معاملة المصريين في شأن الأراضي الصحراوية لكي يتمكن من شراء قطعتي أرض من مواطنة مصرية بمحافظة الجيزة.

خفوا شوية

من جانبه انتقد رجل الأعمال نجيب ساويرس الحكومة والجيش بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد، واستحواذ العسكر على كافة المشروعات ومنها” العاصمة الإدارية”.

ساويرس في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية قال: يتعين علينا تخفيض تدخل الحكومة في الاقتصاد وعلينا تعزيز القطاع الخاص، مشيرا إلى أنه يعني بذلك أيضا الجيش الذي يحظى بنفوذ قوي في البلاد.وزارة الاسكان والمجتمعات العمرانية تخطط لمشاريع مع الجيش رغم وجود شركات إنشاءات خاصة.ويضيف: السيسي يعتمد على الجيش في الكثير من المشروعات ومن بينها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة شرقي القاهرة.

ماسبير والوراق والحديقة

وسبق التفريط فى أراضى مصر، نشر تصريحات مخابراتية لإعتزام حكومة الانقلاب نقل حديقة حيوان الجيزة، أهم وأقدم حديقة حيوان في أفريقيا إلى العاصمة الإدارية الجديدة في إطار خطة العسكر لبيع أهم وأغلى مناطق القاهرة الكبرى التي تضم محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية إلى المستثمرين، كما حدث مع مثلث ماسبيرو المطل على نهر النيل في جوار مبنى التلفزيون الرسمي، فضلاً عن مخطط لإخلاء جزيرة الوراق في نهر النيل لتسليمها لمستثمرين.

كما بدأ السيسي خطة إخلاء الجزر النيلية، في جزيرة الوراق، ويبدو أن نظام الانقلاب اقترب من تنفيذ خطته في الجزيرة، حيث أصدر شريف إسماعيل، رئيس الوزراء السابق قرارا، بإنشاء مجتمع عمراني جديد على أرض جزيرة الوراق يتبع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وتمارس الهيئة فيه جميع الاختصاصات المخولة لها على أراضي المجتمعات العمرانية الجديدة.

وتضمن القرار أن تسلم جميع الجهات الحكومية ذات الولاية على بعض الأراضي جميع المستندات الموجودة في حوزتها والمتعلقة بتلك الأراضي، بما فيها تلك المثبتة لأي تعاملات تمت على أجزاء منها أيا كان غرضها سواء كان التعامل لجمعيات أو أفراد أو شركات، وذلك خلال شهر على الأكثر من تاريخ صدور القرار. وفي رأي مراقبين فإن القرار بتحويل الجزيرة إلى ولاية هيئة المجتمعات العمرانية يعد تمهيدا لبيعها إلى مستثمرين خليجيين، بيعا حرا أو بنظام حق الانتفاع أو المشاركة.

فضلا عن تفريط سلطة الانقلاب في أكثر من 10% من مساحة مصر الكلية بمباركة ممثلين من هيئات وشركات أمريكية وأوروبية، بالاتفاق المبدئي على بيع 30 “محمية طبيعية” بنظام “حق الانتفاع” تخضع لإشراف “صندوق النقد الدولي” في إطار الخصخصة التي ينتهجها نظام العسكر.وتعد شرم الشيخ المدينة السياحية التي تقع عند ملتقى خليجي ” العقبة والسويس” على شاطئ البحر الأحمر، المقصد الجديد لعيون الانقلاب للتفريط في أراضيها.

رابط دائم