لم يكن لنظام زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي أن يقدم على جريمة “تعرقيع الدستور” في ظل الرفض الشعبي والسياسي الواسع، بدون ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية التي يقودها الجمهوري الذي ينتمي إلى اليمين المتطرف دونالد ترامب، الذي يرى في جنرال الانقلاب نموذجا يجب تعميمه على كثير من البلاد العربية، نظير ما يقوم به من خدمات جليلة لضمان المصالح الأمريكية وحماية أمن الكيان الصهيوني ومساعيه الدؤوبة من أجل تنفيذ “صفقة القرن” وإملاءات واشنطن لتصفية القضية الفلسطينية.

وتنقل صحيفة “العربي الجديد” عن مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب أن السيسي سعى جاهداً للتودد إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وإظهار موقفه المؤيد لتمرير “صفقة القرن”، التي تشمل تبادلاً للأراضي بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي ومصر والأردن، مستشهدة بحديثه، خلال زيارة الولايات المتحدة في إبريل 2017، عن أنه “داعم وبقوة لكل الجهود التي ستُبذل لإيجاد حل لصفقة القرن، ويثق في قدرة ترامب على إنجازها”.

وتعزو هذه المصادر أسباب تعجيل السيسي في تمرير هذه التعديلات بعد أقل من سنة على ولايته الثانية إلى ثقة زعيم الانقلاب في عدم ممانعة ترامب لها، أو الصمت عنها على أقل تقدير، باعتبار أنه أحد الأطراف الفاعلة في “صفقة القرن” التي يرعاها الرئيس الأميركي، فضلاً عن استباق الانتخابات الرئاسية المقررة في الولايات المتحدة العام المقبل، وما قد تسفر عنه من إمكانية خسارة ترامب أمام أحد مرشحي الحزب الديمقراطي.

وتتزامن جريمة “ترقيع الدستور” مع انشغال الإدارة الأمريكية والأوروبية بعدة قضايا:

أولا: صفقة القرن

تسعى إدارة ترامب نحو تمرير صفقة القرن المرجح إطلاق خطتها في أعقاب إجراء الانتخابات الإسرائيلية في 9 إبريل المقبل، بعد حصول النظامين السعودي والمصري على إشارات بعدم الاكتراث لدعوات مساءلة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قضية مقتل الصحافي جمال خاشجقي، أو معارضة التعديلات الدستورية في مصر، خصوصاً مع جهود البلدين المبذولة لانتزاع موافقة مبدئية من السلطة الفلسطينية والأردن.

وأجرى محمد بن سلمان محادثات ثنائية مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الشهر الماضي، تطرقت إلى سبل حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وتطورات قضية مقتل خاشقجي، في وقت يرى فيه محللون أن الولايات المتحدة تشترط تمرير السعودية لخطة “صفقة القرن” لتبرئة بن سلمان من القضية، خصوصاً أن ولي العهد السعودي يمارس ضغوطاً على الرئيس الفلسطيني محمود عباس للموافقة على الصفقة، مقابل منح السلطة الفلسطينية حزمة من المساعدات الاقتصادية.

وكانت شبكة “فوكس نيوز” المقربة من المقربة من الحزب الجمهوري واليمين المتطرف أكدت أن إدارة ترامب انتهت من مسودة “صفقة القرن”، المكونة من نحو 200 صفحة، على أن يشارك مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، في العاصمة البولندية وارسو في مؤتمر ترعاه الولايات المتحدة “لبحث القضايا الإقليمية المتعلقة بالشرق الأوسط”، يعقبه إجراء مستشار ترامب جولة تشمل خمس دول خليجية لكسب المزيد من الدعم لـ”خطة السلام” بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويربط بعض المحللين بين سن النظام العسكري في منتصف يوليو 2018، قانون يسمح ببيع الجنسية المصرية، مقابل وديعة قدرها 7 ملايين جنيه، وبين صفقة القرن ودور النظام العسكري في تمريرها وذلك لأن تمرير القانون جاء بعد عام ونصف العام من طرحه للمرة الأولى من جانب حكومة السيسي، وتجميده داخل البرلمان بعد إبداء القضاء، ممثلاً في مجلس الدولة، العديد من التحفظات على نصوصه، وكذلك من بعض الجهات السيادية كالجيش والاستخبارات العامة. إضافة إلى أن هذا القانون تزامن مع قرارات أمريكية استهدفت إسقاط حق العودة لأكثر من 5 ملايين فلسطيني بتقليص المساعدات الأمريكية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وترويج تعريف جديد للاجئ بأنهم من خرجوا من ديارهم سنة 1948 فقط وهو ما يعني إسقاط حق العودة لملايين الفلسطين. وبهذا القانون يغري السيسي اللاجئين الفلسطينيين في مصر لاكتساب الجنسية المصرية مقابل وديعة قدرها “7” ملايين جنيه وهو ما يتسق مع توجهات واشنطن نحو إسقاط حق العودة.

ثانيا: الصراع مع الكونجرس

وبدا واضحاً أن مخابرات السيسي منتبهة للأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة، وكذلك الخارجية، وتورط واشنطن كطرف في الأزمة الحاصلة في فنزويلا، واختارت توقيتاً مثالياً لتمرير تعديلات الدستور، كما يسعى السيسي لتمرير الدستور في أسرع وقت، استغلالاً لانشغال إدارة ترامب في ملف الصراعات الداخلية، خصوصاً مع مجلس النواب، على وقع تجاهل الرئيس الأميركي الموعد المحدد للرد على مطالب لجنة العلاقات الخارجية في المجلس بشأن تقديم تقرير يحدد المسؤولين عن مقتل خاشقجي، واقتراح مجموعة من المشرعين مشروع قانون يتضمن وقف بعض مبيعات السلاح الأميركي إلى السعودية، وفرض عقوبات على أي سعودي متورط في قتل الصحافي. كما تصاعدت أزمة ترامب مع رئيسة مجلس النواب الديمقراطية، نانسي بيلوسي، بعد قوله “إنها سيئة للغاية لبلادنا، وتريد في الأساس حدوداً مفتوحة”، رداً على رفضها بناء الجدار على الحدود مع المكسيك، فضلاً عن تحذيره الديمقراطيين، الذين يسيطرون على مجلس النواب، من توسيع تحقيقاتهم بشأن علاقاته مع روسيا، بحجة أن التحقيقات “سخيفة ومنحازة، وتُهدد الاقتصاد الأميركي”.

ويعمل السيسي جاهداً، منذ اغتصابه للحكم قبل نحو ست سنوات، على توطيد العلاقات بين القاهرة وواشنطن من ناحية، ومع تل أبيب من ناحية أخرى، الأمر الذي وصل إلى حد التحالف في بعض المواقف الإقليمية مع الاحتلال الإسرائيلي، والتنسيق مع الأخيرة حول توجيه ضربات الطيران للمسلحين في مناطق سيناء، بحسب ما اعترف به السيسي خلال مقابلته الأخيرة مع برنامج “60 دقيقة” على قناة “سي بي إس” الأميركية.

وتشمل تعديلات الدستور المصري تمديد فترة الرئاسة من 4 سنوات إلى 6 سنوات، والسماح للسيسي، عبر نص انتقالي، بالترشح لولايتين جديدتين بعد انتهاء ولايته الثانية في العام 2022، وتعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، وإعادة صياغة وتعميق دور الجيش في “حماية الدولة المدنية”، واشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تسمية وزير الدفاع، وإلغاء الهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام.

ثالثا: الصمت الأوربي

ويبدو الموقف الأوروبي “مريبا” حيال تعديلات الدستور التي تفضي فعليا إلى تكريس حكم الجنرال السيسي كفرعون جديد لمصر، فقد التزمت أوروبا الصمت مراعاة لمصالح بعض دولها في ملفات تتعلق بالتسليح ومكافحة الهجرة غير الشرعية؛ وهو ما يناقض موقف أوروبا من الرئيس محمد مرسي الذي يعد العام الذي حكم فيه أزهي عصور الديمقراطية في مصر؛ حيث سبق ودعا الاتحاد الأوروبي الرئيس محمد مرسي (المخطوف حاليا في سجون العسكر) إلى “احترام العملية الديمقراطية”، عقب إصداره إعلاناً دستورياً في نوفمبر 2012 يشمل مجموعة من القرارات المحصنة ضد الطعن خوفا من تغول القضاء على المؤسسات المنتخبة، إذ طالبته وزيرة خارجية الاتحاد آنذاك كاثرين آشتون، بالفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحريات الأساسية، وإجراء انتخابات تشريعية في أسرع وقت ممكن! الأمر الذي يضع أوروبا في موقف المتهم بدعم النظم المستبدة في بلاد العرب والمسلمين؛ وأن لافتات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترفعها ليست إلا وسيلة تبتز بها هذه النظم لتحقيق مزيد من المصالح على حساب الشعوب العربية المنكوبة بحكام طغاة وحكومات أوروبية منافقة.

رابط دائم