اعتمدت الفترة الأولى من عمر الدعوة الإسلامية على السرية والفردية، وكان التخطيط النبوي دقيقا ومنظما، فلم تكن دار الأرقم بن أبي الأرقم لمجرد سماع المسلمين نصائح ومواعظ وتعاليم الدين الجديد، بل كانت ملاذا ومخبئا ضروريا للصالحين المصلحين ونبيهم- صلى الله عليه وسلم- من بطش النظام الحاكم في قريش، وربما قفزت تلك الأجواء المُشبّعة بالبطش واعتقال المُصلحين في نفس الأرض ولكن بعد مرور 1439 عاما من الهجرة النبوية الشريفة.

وفي مملكة ابن سلمان، بات على المصلحين البحث عن مكان آمن يواصلون فيه دعوتهم، أو دار يلجئون إليها حتى تنقشع الغمة.

واعتقلت السلطات السعودية الداعية سفر الخوالي واثنين من أبنائه، وذلك في أعقاب تداول أجزاء من كتاب حديث له قيد الإعداد، هاجم فيه سياسات الحكومة السعودية وإنفاقها المليارات على الغرب الذي يقتل المسلمين، وأكد حساب “معتقلي الرأي”- في تغريدة له رصدتها “الحرية والعدالة”- أنه تم اعتقال الحوالي، وكتب: “تأكد لنا اعتقال الباحث والمفكر الشيخ سفر الخوالي واثنين من أبنائه هما عبد الرحمن وعبد الله. بعد أيام من إصداره كتاب “المسلمون والحضارة الغربية” الذي وجه في النصح لآل سعود وهيئة العلماء”.

تصعيد يفاقم أزمة الحريات

وأكد المحلل الأمريكي جورج فريدمان، المقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن، أن اعتقال العلماء السنة في السعودية، يفرض على السعودية عزلة داخلية عن التيار الإسلامي السني، بل يجعلها في حالة حرب معه، وهاجم “الحوالي” سياسات الحكومة السعودية، التي “تنفق” المليارات على الغرب، الذين بدورهم يحاربون المسلمين، وقال: “ومن العمل بالنقيضين الإيعاز لأئمة المساجد بالقنوت لحلب، مع دفع المليارات للروس الذين دمرت طائراتهم حلب”، مضيفًا “ومن التناقض قطع العلاقات الدبلوماسية مع الخامنئي، واستدامتها مع أوليائه في بغداد”.

يقول الدكتور مهنا الحبيل، مدير مكتب دراسات الشرق الأوسط: إن “اعتقال الداعية السلفي، الشيخ سفر الحوالي، تصعيد يفاقم ملف الحريات، فضلا عن شعبية الرجل في الأوساط السلفية الكبيرة، العلاقة التاريخية بين الدولة والتيار كانت ضمن موقف الأسرة الحاكمة نفسها، أي مواقف أخرى أو معالجات لن يحلها التصعيد الأمني، الإصلاح الدستوري هو الحل للسعودية”.

وقال الحوالي أيضا في كتابه: “فانظر مثلا كيف لو أن المليارات التي قبضها المخلوع أنفقوها على الشعب اليمني مباشرة، وكيف لو أن المليارات التي أعطوها السيسي وبن علي وبن جديد وحفتر أنفقوها مباشرة على الشعوب، ودعوها إلى الله لا إلى القومية، ولا إلى التعري والدياثة والسياحة”.

وتابع: “ولو أن المليارات الفلكية التي أعطيت لترامب وشركاته- غير ما أعطي من الهدايا- أنفقت لقضايا المسلمين وفكاك أسراهم، لكان خيرا حتى في السياسة الدنيوية”، وفي الكتاب ذاته، وصف الحوالي دولة الإمارات بأن كفيلها هي الولايات المتحدة، وأنها مستعدة لتحقيق مطالب اليهود.

مليارات فلكية

وأضاف: “ولا أظن أحدا من المراقبين السياسيين، أو من أهل النظرة الثاقبة، يشك في أن السيسي والإمارات ومحمود عباس خاضعون بشكل ما لأمريكا، وكذا أكثر الحكام”، وتساءل: “نستحق ذلك! لأننا سكتنا ولم ننكر المنكر، ورضينا بالحياة الدنيا من الآخرة، وما بقي إلا تكلفة بناء الهيكل، فهل تبنيه الإمارات مثلا؟ تلك الإمارات التي تشتري البيوت من المقدسيين وتعطيها لليهود”.

من جهته، سارع ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني” السعودي بشن حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، محاولا إظهار الشيخ وأبنائه على أنهم “إرهابيِّون”. وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد استنكرت حملة الاعتقالات التي تقوم بها السلطات السعودية ضد عدد من الدعاة وقادة الرأي والناشطين، وهو ما كان حساب “معتقلي الرأي” قد كشفه ثم أكدته الحكومة السعودية.

احتقار العدالة

وتقول مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة الدولية، سارة ليا ويتسن، إن جهود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإصلاح الاقتصاد والمجتمع في السعودية “لا بد أن تفشل إذا كان نظام العدالة يحتقر سيادة القانون عبر الاعتقالات والعقوبات التعسفية”.

وقال سيرجي بليخانوف، الكاتب والخبير الروسي في الشئون العربية: إن محمد بن سلمان سيعمل على تصعيد التوتر، مشيرا إلى أن شخصية محمد بن سلمان تثير الاهتمام أيضا، لأنه لم يدرس في الخارج على غرار القيادات السعودية الأخرى التي تحتل مناصب عليا في المملكة. وأوضح أن الأمير “نتاج تربية سعودية داخلية”، الأمر الذي يعني التأثير الشديد لرجال الدين الوهابيين الذين يلعبون دورا كبيرا في المملكة. مضيفا أن محمد بن سلمان لم يتعلم “فن التهدئة” الذي يُدرّس في أوروبا.

رابط دائم