في بلاد حكمها مستبدون وعانت ويلات الحروب المزمنة عبر مراحل التاريخ، لا يكاد يمر زمن من دون أن تتكشف مجزرة ضخمة وقعت بحق الأبرياء، حاول فيها المجرمون إخفاءها، بدفن ضحاياهم في مقابر جماعية سرية، غير أن رفات الضحايا عادت لتكون شاهدة على مرتكبيها.

وقام السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بإخفاء وحرق الكثير من المواطنين أثناء مجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة، الذين ظهرت جثثهم في جرافات الجيش، التي حملتهم لدفنهم في مقابر جماعية بمطار ألماظة ومعسكرات الأمن المركزي، كما تم دفن آخرين في أماكن مجهولة حتى الآن، بحسب شهود عيان.

وبحسب توثيق منظمة “هيومن رايتس مونيتور”، فإن أعداد من فقدوا أو اختفوا قسريا خلال مجزرة الفض قد تجاوز الأربعمائة شخص حينها، وعرف التاريخ مئات القتلة مثل السفيه السيسي، لم يتوانوا عن ارتكاب أبشع المجازر بحق الضحايا الذين قد يتجاوز عددهم مئات الآلاف.

مقابر جماعية

وكشف موقع “ميدل إيست مونيتور” البريطاني عن مفاجأة، في تقريره الأخير عن مجازر فض اعتصامى رابعة العدوية والنهضة، مفادها أن السفيه السيسي لم يفارق غرفة العمليات المركزية إلا بعد الثانية عشرة ليلا، وأنه كان صاحب الأمـر في كل شيء، بما فيها دفن المئات في مقابر جماعية. لدى موقع ميدل إيست مونيتور ما يثبت صحة ذلك وبشهادة مسجلة وموثقة لشاهد عيان على دفن المئات في مساء يوم 14 أغسطس 2013، ولم يذكر الموقع اسم الشاهد حرصًا على سلامته.

من جانبه، يقول الدكتور يوسف القرضاوي، الرئيس العام لاتحاد علماء المسلمين: “الجيش قتل معتصمي رابعة والنهضة بالأسلحة الثقيلة المتطورة، وأحرقوا من أحرقوا، ودفنوا من دفنوا في مقابر جماعية لم تعرف بعد، وستعرف ويكشفها التاريخ”.

مضيفا “هناك حوالي ألف شخص يبحثون عن آبائهم وإخوانهم وأبنائهم غير الـ4 آلاف الذين قتلوهم والـ20 ألفا الذين أصابوهم وجرحوهم، وأكثر من 10 آلاف اعتقلوهم.. هؤلاء الناس فعلوا الأفاعيل وارتكبوا المظالم والفظائع في حق هذا الشعب في أسابيع معدودة.. فعلوا ما لم يفعله عبد الناصر والسادات ومبارك في 60 عامًا”.

وبعد مجزرة الفض بأسابيع ومن الباب الخلفي لمشرحة “زينهم” العتيقة، خرج موكب مكون من عدة سيارات للإسعاف مع بضعة سيارات كتب عليها بخط أحمر غير واضح سيارة تكريم الموتى، خروج الموكب مبكرا سهل عليه الإفلات من الزحام الصباحي الروتيني لشوارع القاهرة، وجهة الموكب كانت معلومة لقائد السيارة الأولى، نهاية شارع بيرم التونسي عند أول مطلع زينهم بحي السيدة زينب القديم، حيث توجد مقابر جماعية معروفة بالمقابر الميري أو مقابر الصدقة.

توقفت السيارة أمام أحد الأبواب الحديدية الصدئة وأطلق قائد الموكب بضعة “كلاكسات” معلنا لحارس المقابر المهملة وصول الموكب المنتظر، بعد دقيقة أو اثنتين وبعد عدة أبواق أخرى، سمع سائق السيارة الأولى من الموكب صوت حارس المقبرة، فأدار محرك السيارة استعدادا للدخول وبدأ العمل.

فتح الحارس بوابة المقبرة على مصراعيها دون التأكد من هوية الموكب، لا بأس فقد كان يتوقع وصولهم اليوم بعد اتصال أحد العاملين بالمشرحة معه في الليلة الماضية، دلفت بعض السيارات التي استوعبها المكان إلى الداخل، وانتظر باقي الموكب في الخارج، وسط استغراب الحارس من عددهم الذي لم يعهده منذ زمن طويل؛ منذ حادث غرق عبارة السلام.

حتى حادث عبارة السلام لم يصل بعده موكب كهذا، فالجثث التي التهمت الأسماك أطرافها تم التعرف على معظمها، وتم دفنها بمقابر أسرها وفقا للمناسك اللائقة المتعارف عليها عند المصريين، استدرك في سره: ألف رحمة ونور تنزل عليهم ماتوا ظلم، ثم توجه بالسؤال لمندوب مصلحة الطب الشرعي: هم كام؟!، جاءه الرد: 35، متفاجئا قال الحارس: لا إله إلا الله… ومحدش عرفهم خالص؟!، لأ..بقالهم 5 شهور في المشرحة ومحدش عارفلهم أهل.

لاحقا وأثناء البدء في حمل هذه الأجسام الخفيفة المغلفة بالأقمشة البيضاء، سأل الحارس أحد العاملين: هم مالهم خفاف كده ليه يابني، هم متشرحين؟!، رد العامل: “لأ.. دول محروقين يا حاج، محروقين. شيل من سكات الله لا يسيأك”.

ملف المفقودين

يقول خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، إن الشعوب لن تنسى هذه المذبحة وقسوتها بسبب الطريقة البشعة والقوة المفرطة التي استخدمها النظام ضد المتظاهرين السلميين ثم حرق الجثث ودفنها في مقابر جماعية وتصفية الجرحى والمصابين داخل المستشفى الميداني.

ويفتح المراقبون والحقوقيون ملفًا إنسانيًا شديد المأساوية في مصر، ملف “المفقودين في مجازر فض الاعتصامات والمظاهرات، ومشكلة هذا الملف تكمن في عدم وجود تغطية إعلامية له مطلقا، ولا حتى على القنوات الإعلامية القليلة التي تدعم الشرعية وتنقل صوت المتظاهرين، فالجميع لا يعلم أن هناك مئات الأسر المصرية لا تعلم طريقا لأبنائها، بل لا تعلم هل هم على قيد الحياة من الأساس أم لا.

ويؤكد المراقبون أن سلطات الانقلاب تمنع إحصاء المفقودين، ولا يوجد تعاون حكومي مع الأمر، وبالتالي لا توجد منظمة أو نشطاء بإمكانهم حصر الأعداد بدقة، فالعمل الحقوقي والتوثيقى في مصر عمل بالغ الخطورة، ومن ترصده سلطات الانقلاب قد يصبح هو الآخر فى عداد المفقودين أو المعتقلين، وقد تعرض أحد الباحثين للاعتقال وتم تعذيبه بشكل بالغ القسوة وصعقه بالكهرباء، حتى فقد القدرة على النطق لفترة جاوزت الشهر.

ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن أقصى أماني هذه الأسر هي أن يكون فقيدهم محتجزا يتم تعذيبه في أحد السراديب السرية لمباني أمن الدولة، أو أنه فاقد للذاكرة يهيم على وجهه في مكانٍ ما، تخيل فقط أن تكون هذه هي الآمال والأماني لأمهات مصريات.

 

رابط دائم