أستاذ جامعى شهير شغل منصبًا مرموقًا أثناء رئاسة الدكتور مرسى كتب يقول: “الإفراج عن مجموعة من المسجونين السياسيين يُحسب مكرمة للنظام يستحق الشكر عليها”. هذا الأستاذ يمثل طائفة ليست قليلة من الإسلاميين المخدوعين، الذين توهموا تحول النظام وصلاح الأحوال السياسية لمجرد الإفراج عن عشرات من إخوانهم ضمن جنائيين آخرين فيما عرف بـ”العفو الرئاسى”؛ فكتبوا مهللين مكبرين كأن نصرًا قد تحقق، ولا يدرون أن هذا النظام لا يفعل شيئًا لله، بل يفعل ما يخدم مصالحه، ويجمِّل صورته، ويرضى الغرب عنه.

إن العفو لا يكون إلا لمخطئ أثيم، وهؤلاء ما ارتكبوا جرمًا ولا وقعوا فى خطيئة، وقد قضوا سنوات من عمرهم، وهم نخبة المجتمع، خلف القضبان بأحكام سياسية جائرة شارفوا على استكمالها؛ فعندما يأتى النظام ليعلن العفو عنهم فلنضع أمام هذا الفعل عشرات من علامات الاستفهام. فلو أن هذا الفعل لله وأن النظام يعرف شيئًا اسمه “العفو” لأخرج ستين أو سبعين ألفًا فى غيابات سجونه التى امتلأت عن آخرها حى بنوا أضعافها، وحتى اعتاد الناس سماع قرارات “رئاسية” لتدشين سجون جديدة، فى حين لم يسمعوا عن قرار واحد لبناء مدرسة أو مشفى.

ولو دقق الأستاذ الأخبار لعلم أن الأمر لا يخرج عن كونه “إحلال وتجديد”؛ ففى اليوم الذى أُفرج فيه عن هذه المجموعة تم القبض على مثلها، على مستوى الجمهورية، وعلى رأسهم الدكتور محمود شعبان الأستاذ بجامعة الأزهر لأنه أثنى على المعتقلين خيرًا. فالنظام يفرج عن مجموعة ليسجن غيرها، أى يستبدل هذه بتلك، وهذا ليس غريبًا على العسكر؛ فقد اعتاد مبارك منذ أوائل التسعينيات الإبقاء على ثلاثة آلاف عضو من الإخوان داخل المعتقلات، لا يزيد العدد ولا ينقص، وقد هيأت الجماعة نفسها على هذا “الروتين” فكلما أفرج النظام عن مجموعة توقع مسئولو الجماعة القبض على مثلهم، وبالفعل يكون الأمر كما توقعوه.

أما لماذا “الإحلال والتجديد” فلكى تدور دائرة الاعتقال على كل الإخوان، وفيه “ضربة استباقية” كما يزعمون؛ ليضمنوا ألا تستقر الأمور للجماعة؛ حيث يتوقع كل عضو فيها أن الدور سيحل عليه فى الاعتقال، فضلاً عن أمور إدارية أخرى يضمنون بها الإبقاء على نشاط ضباطهم وعناصرهم. كما أن فى عمليات الإفراج تلك تحسين لصورة للنظام. فكثيرون يعتبرونها حسنة له، خصوصًا إذا تمت فى مناسبات دينية أو فى الأعياد؛ ولذلك هم يتحينون تلك المناسبات ليفعلوا ذلك، فيظهروا كأنهم أهل العفو والمرحمة، والحقيقة أنهم أهل الغل والمظلمة؛ فمن يعوض هؤلاء المظلومين عما وقع عليهم، والكل يعلم ما يجرى داخل السجون المصرية التى يُضرب بها المثل فى انتهاك آدمية زوارها، وأن عليها مجرمين تمرسوا فى أساليب التعذيب وانتهاك آدمية المسجونين.

لا مجال إذًا لكلمة “عفو” فى هذا الخبر، ولا يصلح أن تطلق الكلمة أيضًا حتى ولو أطلقوا الستين أو السبعين ألفًا الذين يقبعون فى الأسر الآن. ولا يمكن أن يكون عفُّوًا ذلك الذى يعتقل عشرات البنات منذ سنين من دون تهم إلا أن يقلن ربنا الله، وكذلك الطاعنين العاجزين، والزمنى الذين أكلهم السرطان وحولتهم أمراض الكلى والكبد إلى هياكل عظمية. وإذا كان ذلك عفوًا كما يسميه إعلامهم فهل الإفراج عن التسعة ضباط القتلة الذين لم يقضوا من محكوميتهم سوى شهرين اثنين من إجمالى سبع سنوات حكمت بها الجنايات ثم النقض يعد عفوًا أيضًا؟ أم أنه التكريس للظلم والإجرام؟

وإذا كان بعض إعلامهم قد بشر بخروج مجموعة أخرى قريبًا؛ فهذا معناه أن تلك خطة (شريرة) لا يبغون بها وجه الله؛ فقيل فى المجموعة التى خرجت إن عددًا من أهاليهم سبق وقدموا طلبات بالعفو عنهم؛ ما يؤكد لجوءهم إلى أسلوب الستينيات بدق الأسافين بين أبناء الجماعة الواحدة، واستخدام أهاليهم -الذين قدموا طلبات الإفراج ووقعوا عليها كضامنين- فى الضغط عليهم، بل سيكون هذا الإفراج مشروطًا بـ”تعاون” المفرج عنه مع الجهات الأمنية.

مستحيل أن يكون هذا النظام جادًّا فى التهدئة أو السعى إلى استقرار البلد؛ لأنه ببساطة لا ينفذ إلا ما يُملى عليه، ولو فعلها مرة -كما قلت- فلحاجة فى نفسه ولكى يستغلها إعلامه في الدعاية لرحمات النظام ورأفته، خصوصًا بعد أن ضج الشعب بالشكوى من الغلاء والبلاء، ومن الفشل الذى عم البر والبحر، فيقال نظام كريم يسعى لمسامحة خصمه والعفو عن المظلومين والمغرر بهم، ولا يدرون أن الضباع لا تعرف الرحمة وإن استُئنست لسنين؛ فإن فى دمائها الغدر والسلوك الدموى.

إن ما جرى فرصة لكشف عورة النظام؛ باستعراض سيرة من تم الإفراج عنهم، وما وقع لهم من حوادث منذ القبض عليهم وحتى تم إطلاقهم، وما بين هذه وتلك ستدركون أن “العفو” على هذه الصورة إن هو إلا خديعة لا يفعلها إلا ظالم مستبد خبيث.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم