يسعى “المداخلة”، اليوم، بتوجيه النظام في السعودية إلى تكوين ما يسمى الحزام المدخلي من الخليج إلى موريتانيا، وهم متغلغلون في الجزائر والمغرب وتونس ولهم مساجدهم، وعندما يمسكون السلاح فإنهم أشد على المسلمين من كل الصهاينة والصليبيين، وحتى خونة العرب.

واشتُهر تيار الجامية المدخلية، منذ التسعينيات، بتوظيف الدين لدعم السلطة السعودية في وجه كل من يعارضها، واستوردت حكومات أخرى هذا الفكر لاستغلاله، لكن التيار ناقض مبادئه بعد اندلاع الربيع العربي في انحيازه لكل ما يوافق هوى السعودية، وبات اليوم أداة للقمع والإقصاء بشكل أكثر تطرفًا.

آل المخابرات!

عندما أعاد عبد العزيز آل سعود تأسيس الدولة السعودية الثالثة في مطلع القرن العشرين، انطلق لتوحيد مملكته مترامية الأطراف تحت سلطته عبر مسارين متوازيين: الأول الدعم الإنجليزي والأمريكي لاحقا، والثاني هو الشرعية الدينية المؤسسة على ميثاق الدرعية نفسه، وارتهن استمرار حكم العائلة بموازنتها بين هذين الجناحين المتناقضين.

وحين انتهت حرب الخليج الأولى ولم تعد القوات الأجنبية إلى حيث جاءت، وألّف الشيخ سفر الحوالي، المعتقل الآن في سجون الأمير المنشار، كتابًا أسماه “وعد كسينجر”، رد فيه على هيئة كبار العلماء، وعلى رأسهم ابن باز في جواز وجود القوات الأجنبية على أرض الجزيرة، وشرح تفصيليًّا هدف الإدارة الأمريكية في السيطرة على الخليج للوصول إلى مخزونها النفطي بأقل ثمن، وضمان التبعية الخليجية لها مستقبلًا بحجج حمايتها من القوة السوفيتية والإيرانية وغيرها.

اختلفت الأصوات والملك في إنصاتهِ مُستمع، حتى هاجر له من الحبشة رجل يسعى للعلم والعمل اسمه محمد بن أمان الجامي، كان يدرس في جامعة المدينة المنورة، وقد تتلمذ على يد نخبةٍ من شيوخ المملكة من بينهم ابن باز، كان يرافقه رجل يسمى ربيع المدخلي، واشتهر الاثنَان بفقه وتشريع أحكام طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه، حتى وإن جلد وطغى وبدَّل وحرَّف.

ليس بذلك اكتفوا، بل زادوا بأحكامهم على هيئة الفتاوى الرسمية محاكاة لمزاج العائلة الملكية، وعُرفوا بعد ذلك بعدائهم الشديد لتيار الصحوة، فهاجموا من حرم وجود القوات الأجنبية وصنفوه من الخوارج، ووصفوا كل من ينتمى إلى هذا التيار بالخارج عن الشرع وأنه زاد في غلوه.

وقادا الاثنان تيارًا سلفيًّا يُشرِّع للسلطة أي فعل حدث منها، ويهاجم من اعترض ولم يؤيد، بل اشتد عداؤه لحركة الإخوان المسلمين في مصر والبلاد الأخرى، وتوالت كتابة المقالات والكتب من الجامي والمدخلي التي تشكك في منهجيات البنا، وأن تأسيسه للجماعة لهو من البدع والانحراف عن منهج السلف، ووصف قطب بالتكفيري!.

خونة الربيع العربي

وليس بجديد أن تظهر شخصيات دينية موالية للحُكام والسلطة لتبرير القرارات والسياسات، لكن ما فعله “التيار الجامي المدخلي” أكثر من ذلك بكثير فهو أداة المخابرات لمراقبة وشيطنة التيارات الإسلامية وسلطة دينية تقدم نفسها كتأييد شعبي لقرارات الحاكم مستخدمة الفتاوى والآراء لحماية العرش وكرسي الحُكم لعائلة “آل سعود” الحاكمة في المملكة.

تُقدم الجامية المدخلية نفسها “كأنها الأساس الوحيد للسلفية”؛ وظهرت بمظهر “سيئ” لتشويه الفتوى والآراء الدينية التي لا تتوافق مع أهواء السلطة، ولا غضاضة عند هذه الفرقة أن تظهر بمظهر المتناقض، ما دام ذلك يخدم أغراض الأجهزة السلطوية.

وبعد أن استمرت الجامية المدخلية عقودا من الزمن تُحرم “الأغاني” بل و”مشاهدة التلفاز” و”الاختلاط” و”قيادة المرأة للسيارة”، لكنها الآن أصبحت تحلل كل ذلك بعد رؤية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والانفتاح الجديد، لكن مواقفها من حرية التعبير والانتقاد وانتهاكات حقوق الانسان وعدم استقلالية القضاء، يتماهى بالضبط مع موقف السلطة، بل تزيد على ذلك بتبديع وتضليل من ينادي بهذه المطالب البديهية.

وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو، يظهر مسلحا موال للجنرال الليبي المتقاعد “خليفة حفتر”، يتبع التيار السلفي المدخلي في ليبيا، وهو يروي قصة خيانة الكتيبة 604 التابعة للسلفية المدخلية، والتي مكنت قوات “حفتر” من دخول مدينة سرت.

وقال المسلح، خلال الفيديو، إنه كان في طليعة قوات “حفتر” التي اقتحمت سرت من مدخلها الشرقي، مؤكدا أن الكتيبة 604 السلفية المدخلية، كانت في استقبال قوات “حفتر”، وفتحوا لهم المعسكرات التابعة لهم فورا.

وأضاف أن انتشار أفراد الكتيبة المدخلية كان واسعا في شرقي سرت، وهم من فتحوا المواقع أمام قوات “حفتر”، وأنهم كانوا في تواصل مع غرفة عمليات قوات “حفتر” منذ الصباح، وأمدوهم بجميع تحركات قوات الوفاق الوطني، خاصة مسلحي مدينة مصراتة، والذين يكونون القوة الأكبر في “قوة حماية سرت”.

الطابور الخامس

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا، تحت عنوان “الطابور الخامس السلفي”، تقول فيه إن المداخلة باتوا يؤدون دورا في دعم هجوم أمير الحرب خليفة حفتر، ويشير التقرير إلى أن الجماعة السلفية المغمورة تعترف بالجنرال خليفة حفتر زعيما شرعيا للبلاد.

وتقول المجلة إن “أمير الحرب الليبي القوي حفتر يحاول منذ أشهر السيطرة على العاصمة، وهزيمة حكومة الوفاق الوطني في الغرب، لكن المعركة التي بدأت في أبريل لم تتغير خطوطها، رغم مقتل أكثر من ألف شخص، والدعم الذي يلقاه حفتر من الإماراتيين والمصريين، إلا أن جماعة سلفية غير معروفة، ويطلق على أتباعها المدخليين أو المداخلة، وهم أتباع الشيخ السعودي المتشدد ربيع بين هادي المدخلي، قد تحسم ميزان الحرب”.

وفي مصر برز محمد سعيد رسلان، صاحب الفتوى الشهيرة لجنود السيسي بوجوب قتل المعارضين من أهالي كرداسة وغيرهم، وظهر أسامة القوصي، ومحمود لطفي عامر، وطلعت زهران، وغيرهم، في فتاوى الولاء للحكم العسكري والبراء من الإسلام السياسي.

ولم تقتصر حملة السلفية المدخلية على مناهضة جماعة الإخوان المسلمين، والتيار الجهادي، بل طالت حركات المقاومة الفلسطينية، لا سيما حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، التي نعتها رسلان بـ”خوارج العصر”، استنادا إلى فتوى ربيع المدخلي بأن “الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلاً من أصول الإسلام إلا نقضوه”.

في سياق التحول من الدور الأيديولوجي إلى المجال العسكري، شرعت السلفية المدخلية بتأسيس هياكل عسكرية ومليشيات مسلحة، في الدول التي تفتقر إلى وجود مؤسسة عسكرية فاعلة، إذ باتت تتمتع بحضور قوي وبارز في ليبيا واليمن بالتحالف مع ديكتاتوريات محلية ناشئة، وبإسناد من السعودية والإمارات ومصر.

Facebook Comments