أشارت بيانات البنك المركزي المصري إلى بلوغ قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي خرجت من مصر خلال العام 2019 نحو 8.5 مليار دولار، وهو أعلى معدل لخروج تلك الاستثمارات المباشرة، أي التي ترتكز على المشروعات الإنتاجية والخدمية منذ العام 2012.

وبالمقارنة بقيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة عام 2018 والبالغة 6.5 مليار دولار، فقد زادت بالعام الماضي بنحو 2.1 مليار دولار بنسبة نمو 32%.

وبلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية الخارجة خلال الربع الأول من العام الماضي 2.1 مليار دولار، وفي الربع الثاني 2.2 مليار دولار، وفي الربع الثالث 1.9 مليار دولار، لكنها مع الربع الأخير من العام الذي أعقب مظاهرات العشرين من سبتمبر زادت إلى 2.3 مليار دولار.

وعادة ما يتوسع "المركزي" في ذكر أبرز الدول التي دخلت منها استثمارات أجنبية مباشرة إلى مصر لعدد 52 دولة، بينما يذكر قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة كرقم إجمالي من دون أية تفاصيل، لكن قائمة الاستثمارات الداخلة من عدد من الدول في العام الماضي، كانت بالسالب ومنها دول: النرويج واليونان ولكسمبورغ والدنمارك والبرتغال.

وبحسب الخبير الاقتصادي ورئيس تحرير الأهرام السابق ممدوح الولي، من المعروف أنه من بين متطلبات مؤشر جاذبية الاستثمار بدول العالم، مؤشر البيئة المؤسسية والذي يتعلق بالاستقرار السياسي وغياب العنف، ومدى المشاركة والمحاسبة وسيادة القانون ومدى السيطرة على الفساد، وهي أمور أصبحت محل انتقاد من قبل جهات دولية خلال السنوات الأخيرة.

ولعل آخرها التعديلات على قانون الطوارئ بالشهر الحالي، والتي نصت على تولي قوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه، وأعطت للضباط ولضباط الصف اختصاصات مأموري الضبط القضائي، كما أعطت النيابة العسكرية اختصاص التحقيق في الوقائع التي يتم ضبطها بمعرفة القوات المسلحة.

كما أجازت التعديلات للنيابة العسكرية التحقيق في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون الطوارئ.

خروج 17 مليار دولار خلال شهرين

كذلك أعطت التعديلات الحق في حظر الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات والاحتفالات وغيرها من أشكال التجمعات، وتقييد الاجتماعات الخاصة، وأيضا حظر تصدير بعض السلع والمنتجات إلى خارج البلاد، وتحديد سعر بعض الخدمات أو السلع أو المنتجات، وكلها أمور تتنافى مع أسس الاقتصاد الحر وحرية الأسواق.

أما الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في مصر، أي المتعلقة بشراء الأجانب للأسهم والسندات وأذون الخزانة المصرية، فقد حققت خلال العام الماضي تدفقا موجبا بنحو 10 مليارات دولار بسبب مبيعات الحكومة المصرية سندات بالأسواق الخارجية بحوالي 7 مليارات دولار، بخلاف مشتريات الأجانب لأذون الخزانة المصرية.

لكن الصورة انعكست خلال الربع الأول من العام الحالي، حيث صرح وزير المالية بخروج حوالي 14 مليار دولار خلال شهر مارس الماضي، من أدوات الدين المصري منها 10 مليارات دولار، في ضوء خروج المستثمرين الأجانب من الأسواق الناشئة عقب تداعيات انتشار فيروس كورونا على اقتصادات العالم والتراجع الشديد للبورصات.

كما صرح محافظ المركزي بخروج استثمارات للأجانب خلال الشهر نفسه بنحو نصف المليار دولار، وقبل أيام صرح وكيل المركزي ببلوغ قيمة أموال الأجانب الخارجة خلال شهري مارس وأبريل 17 مليار دولار، الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة الاحتياطي من العملات الأجنبية خلال شهري مارس وأبريل، وتحول صافي الأصول من العملات الأجنبية بالبنوك إلى سالب في شهر أبريل/نيسان الماضي.

وكانت منظمة "الأونكتاد" المعنية بمتابعة حركة الاستثمار المباشر بالعالم، قد توقعت تراجع قيمة الاستثمار الأجنبي في دول العالم خلال العام الحالي بنسبة 10%، وذلك خلال شهر مارس/آذار الماضي، وهي النسبة التي أدى استمرار تداعيات الفيروس السلبية خلال أبريل ومايو إلى توقع زيادتها.

وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي تمثل حوالي ثلثي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواصلة لمصر، فإن الآثار الحادة للفيروس عليها ستؤدى لتراجع قيمة استثماراتها المباشرة بمصر خلال العام الحالي، وهو الأثر نفسه للدول العربية الخليجية التي تقدم عادة حوالي خُمس الاستثمارات الأجنبية الواصلة لمصر، في ضوء تراجع أسعار البترول وحالة الانكماش التي ستصيب اقتصاداتها بالعام الحالي، بحسب الولي.

ويمتد الأثر للولايات المتحدة التي تقدم عادة حوالي 8% من الاستثمارات المباشرة الواردة لمصر، وهكذا يصل نصيب باقي دول العالم خارج الاتحاد الأوربي والعرب والولايات المتحدة إلى 9% فقط من الاستثمارات المباشرة الواردة لمصر.

تعدد عوامل نقص الموارد الدولارية

وتزاد المخاطر على الاقتصاد المصري نتيجة تراجع كلا النوعين من الاستثمارات الأجنبية سواء المباشرة منها، أو غير المباشرة المتعلقة بمبيعات أذون الخزانة والسندات والأسهم؛ نظرا لوجود نقص آخر موازٍ في موارد العملات الأجنبية نتيجة توقف السياحة ونقص تحويلات العمالة المصرية سواء العاملة في دول الخليج العربي أو في غيرها، وتأثر قيمة الصادرات نتيجة تراجع الطلب في الأسواق الخارجية، وتأثير تراجع التجارة الدولية على إيرادات قناة السويس.

إلى جانب زيادة خروج أموال الفساد، الأمر الذى سينعكس حتما على زيادة سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، مهما حاول المصرف المركزي تثبيت السعر، خاصة أن التدفقات الخليجية المؤقتة التي كانت تساعد على إعلان رقم متماسك للاحتياطي من العملات الأجنبية أواخر الشهور لم تعد متاحة بالقدر نفسه مع تراجع سعر النفط بشكل كبير، وسحب تلك الدول من احتياطياتها بشكل كبير واقتراضها من خلال إصدار سندات دولية.

وفي الوقت نفسه هناك تزايد لتكلفة الدين الخارجي والتي بلغت العام الماضي أكثر من 13 مليار دولار بنمو 9% عن تكلفة الدين الخارجي في العام 2018، وتوزعت تكلفة الدين الخارجي في العام الماضي ما بين 9.3 مليار دولار للأقساط و3.8 مليار دولار للفوائد، وبالمقارنة مع العام الأسبق فقد زادت قيمة الفوائد بنسبة 49%، بينما انخفضت قيمة الأقساط المدفوعة بنسبة 2% نتيجة الاتفاق مع دول الخليج العربي على تأجيل حصولها على أقساط قروضها لمصر.

لكن الاقتراض الخارجي، والذى بلغ حوالى 113 مليار دولار بنهاية العام الماضي، مستمر على نحو تمثل في اقتراض 2.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي مؤخرا، والسعي لاقتراض 5 مليارات أخرى من الصندوق، إلى جانب السعي لاقتراض 4 مليارات دولار من مؤسسات دولية وإقليمية أخرى لسد الفجوة الدولارية، وهو ما سيتسبب في ازدياد نصيب تكلفة الدين من مدفوعات النقد الأجنبي.

وهي المدفوعات التي بلغت بالعام الماضي 110 مليارات دولار، والتي تتركز فى الواردات السلعية والبترولية ومدفوعات عوائد مشتريات الأجانب لأذون وسندات الخزانة المصرية، وخدمات النقل والخدمات المالية والتأمينية وغيرها والمصروفات الحكومية الخارجية، ما يؤدي إلى المزيد من الاقتراض والسقوط بشكل أعمق في مستنقع القروض.

Facebook Comments