كتب رانيا قناوي:

يهدد النظام الانقلابي في مصر حياة ملايين المصريين من المرضى، الذين أصبحوا قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار في ظل عجز هذا النظام عن تلبية العلاج والدواء، خاصة بعد قرار تعويم الجنيه ورفع سعر الدولار لأكثر من 18 جنيها، دون تأمين احتياجات الغلابة من الأدوية الاستراتيجية التي تستخدم في علاج أمراض الأورام والفشل الكلوي والسكري.

الحق في الحياة
نظام الانقلاب الذي أغلق جميع منافذ الرحمة على ملايين المرضى بمصادرة جميع الجمعيات الخيرية التي كانت تتكفل بعلاج قطاع كبير من الغلابة الذين لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم من الدواء، أدرك في الأونة الأخيرة خطورة اعتقال هذه الشريحة من جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تسهم في تقديم العلاج بجنيهات قليلة، وتوفير الدواء وغيره من الخدمات بأسعار رمزية، مدركا خطورة القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في وجهه إن آجلاً أو عاجلاً على الرغم من عدم نزولها الشارع في 11/11.

يأتي ذلك في الوقت الذي تسبب الارتفاع الحاد والمتواصل لسعر صرف الدولار في أزمة حادة في سوق الدواء بمصر، بعد اختفاء مئات الأصناف ونقص آلاف أخرى، حتى أن شعبة الأدوية بالغرفة التجارية قالت إن أزمة الدولار أدت إلى اختفاء ما يقرب من 1000 صنف من السوق، على رأسها أدوية الضغط والسكري والأورام والفيروسات الكبدية وغيرها.

وتسببت الأزمة الاقتصادية الأخيرة والإجراءات التي أقدمت عليها حكومة الانقلاب بتحرير سعر الصرف لنقص الأدوية خصوصا "الهولكسان والبرينثول وسبيراجيينز" التى تستخدم لعلاج أمراض السرطان.
 
ووصلت صرخات المرضى لمواقع التواصل الاجتماعي، حيث دشن عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج "صيدلية تويتر"، على موقع التدوينات المصغرة تويتر، وانتقل إلى "فيس بوك" في محاولة لتوفير الأدوية التى تعالج الأمراض المزمنة من خلال جمعها في هيئة تبرعات بعد وجود نقص شديد في كميات هذه الأدوية بالصيدليات والمنافذ الحكومية.
 
إلا أن نظام الانقلاب بقيادة عبد الفتاح السيسي لم يستشعر حتى الآن مدى المعاناة التي يعانيها المرضى ولم يسمع صرخاتهم، حتى أنه لم يفهم من الأساس الفرق بين حقوق الإنسان وحقوق الحياة التي فضحت جهله أمام الرئيس الفرنسي  في أبريل الماضي، حين وقف السيسي إلى جانب نظيره الفرنسي فرانسوا أولاند – في مؤتمر – تحدَّث عن أنَّ التعليم والصحة والسكن هي حقوق إنسان..ليرد عليه أولاند بأنَّ تلك حقوق الحياة أما حقوق الإنسان فتعني حرية الصحافة والتعبير وحرية التنقل.

نقص الأدوية
ولعل ما وصل إليه حال المرضى في الأونة الأخيرة، هو ما دفع المسئولين وعدد كبير من الأطباء لتحذير حكومة الانقلاب من تهديد حياة ملايين المرضى، حيث أكد "محمود فؤاد" مدير المركز المصري للحق في الدواء، في بيانات صحفية مستمرة، تعرض البلاد لأزمة بسبب ارتفاع سعر الدولار وعدم توافره، محذرا من أن إقدام الحكومة على تحرير أسعار الدواء ومنح الشركات الحق في تسعير منتجاتها، يعد جريمة في حق المرضى.

وأشار إلى أن أزمة نقص الدواء تتعاظم، بما يشكل خطورة حقيقية على صحة ملايين المرضى، موضحا أن منها أدوية مشتقات الدم والأورام والقلب والرمد والحساسية والمستلزمات الطبية التي تستخدم في العمليات الجراحية.
 
فيما أكد علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن قطاع الدواء يتعرض لأزمات كبيرة بسبب نقص الدولار، حيث تستورد مصر 95% من المواد الخام المصنعة للدواء ومواد التعبئة من الخارج، موضحا أن الشركات المصرية تجد صعوبة بالغة في توفير الدولار اللازم للاستيراد.
 
وأوضح أن البنك المركزي طلب من الشركات الاكتفاء باستيراد المواد الخام الخاصة بأدوية بعض الأمراض فقط، كالسكري والضغط، لأنه سيضع أولويات لنوعية الأدوية التي سيتم توفير الدولار لها، ما يعني أن كثيرا من الأدوية ستختفي تماما من الأسواق في غضون أسابيع قليلة.

ويقول صيادلة إن أدوية بعض الأمراض المزمنة كادت تختفي من الأسواق، أهمها الإنسولين وألبان الأطفال ومستحدثات الدم والمحاليل الطبية.

فيما حذر "صبري الطويلة"، عضو مجلس نقابة الصيادلة، رئيس لجنة صناعة الدواء بالنقابة، من أن أكثر من 100 مصنع دواء تحت الإنشاء مهددين بالإغلاق بسبب ارتفاع سعر الدولار.

فيما شن إعلامي الانقلاب إبراهيم عيسى، هجوما حادا على حكومة شريف إسماعيل بسبب اتخاذها قرارات تحرير سعر صرف الجنية دون أن تؤمن مخزون الأدوية المستوردة من الخارج بالقدر الكافي.

وأضاف في برنامجه على فضائية القاهرة والناس، الحكومة نسيت تأمين الدواء، وبعض المستشفيات كادت أن تغلق في صعيد مصر وكانت تعتذر للمرضى بسبب عدم وجود أي مستلزمات طبية يمكن ان تقدمها لهم".
 
وتابع: "المستشفيات الجامعية ما كنش فيها خيوط جراحة الأيام اللي فاتت، وبعد ده كله بيحاكموا منى مينا وكيل نقابة الأطباء وبيقدموها للتحقيقات علشان اتكلمت  "، قائلا:” أيه ده أيه الحمق السياسي ده في حكومة تنسى الدواء "، في الوقت الذي كشفت الدكتورة منى مينا بأن المستشفيات اصدرت تعليماتها بإعادة استخدام السنرجات  لنفس المريض.

موت بطيء
وشهد اليومان الماضيان رعبًا بين مرضى الغسيل الكلوى، من الموت البطيء، بعد إغلاق عشرات المراكز المتخصصة في غسيل الكلى لنقص المستلزمات الطبية، وقرار وزارة الصحة برفع سعر جلسة الغسيل الكلوي من 140 جنيهًا إلى 250 جنيهًا، في حين يمثل مرضى المستشفيات الحكومية النصيب الأكبر من إجمالي المرضى المترددين عليها ليصل عددهم إلى نحو 66 ألف مريض يجلسون أربع ساعات متواصلة تخترق أجسادهم أجهزة تنقية الدم.
 
وأطلق المركز المصري لحماية الحق في الدواء العديد من التحذيرات لوجود أخطار كبيرة تحوم حول أرواح أكثر 114 ألفًا و287 مريضًا في مصر، موزعين على 309 مراكز حكومية من مرضى الغسيل الكلوي وتهدِّد حياتهم وتعرضهم لخطر شديد ومضاعفات كثيرة.
 
وأضاف: "منذ شهور يعاني مرضى الغسيل الكلوي من ندرة الوفاء باحتياجاتهم من المحاليل الطبية حيث يقومون بالغسيل الكلوي 3 جلسات أسبوعيًّا، ويستهلكون في الجلسة الواحدة ثلاث عبوات، وأصبحت المراكز تطلب منهم ضرورة شراء المحاليل على نفقتهم الخاصة بسبب ندرتها".
 
في سياق متصل، ناشدت النقابة العامة للأطباء كل من الحكومة الحالية ووزيري الصحة والمالية بضرورة أن تكون الأولوية في ظل الأزمة الدولار الحالية للأدوية ومستلزمات العلاج.
 
وقالت النقابة -في بيانٍ لها- إنَّها تتابع بقلق بالغ النقص الشديد في العديد من الأدوية الأساسية والمحاليل اللازمة لإجراء الجراحات في الكثير من المستشفيات الحكومية.
 
وطالبت النقابة المسؤولين بضرورة بذل كافة الجهود لإيجاد حل سريع حتى لا تتفاقم الأزمة وتنعكس على المريض ومنع أي محاولات لاستخدام هذه الأزمة لتربح البعض على حساب المريض الذي أصبح لا يحتمل المزيد من المعاناة.
 
ويبلغ إجمالي عدد مرضى الفشل الكلوي في مصر وفقًا لإحصائيات قطاع الطب العلاجي 36 ألفًا و116 مريضًا، فضلا عن ملايين المرضى بأمراض مزمنة أخرى مقل أمراض القلب والسكري والأورام، فهل يكون هؤلاء قنبلة موقوتة في وجه النظام؟

Facebook Comments