منذ دعوة رجل الأعمال محمد علي؛ الشعبَ المصري للتظاهر يوم 20 من الشهر الجاري، خرجت أبواق الإعلام المصري كلها بوتيرة واحدة لتسحر أعين الناس بأشياء خلاف الواقع، مدعية أن الوضع الاقتصادي في مصر في أفضل حالاته منذ انقلاب تموز/ يوليو 1952م، وأن السيسي رجل المشروعات العملاقة والتنمية التي ربوعها تعم كل أرجاء مصر.

وما هذا إلا حلقة في سلسلة التضليل التي سئم منها الناس، ويعرفها رجل الشارع العادي، فمصر تعيش بامتياز مرحلة الظلم الاقتصادي للإنسان، ليس حاضرا فقط بل ومستقبلا أيضا.

إن سياسة التجميل الاقتصادي سياسة فشل تصديرها في ظل الواقع الحقيقي للاقتصاد المصري من نمو لمعدل الديون غير مسبوق، رغم تقادم بيانات الدين العام من مصادره الرسمية، والدخول في مشروعات تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية فاقت منافعها، من تفريعة قناة السويس إلى العاصمة الجديدة وغيرها، وتسليم مفتاح الاقتصاد للعسكر، فضلا عما يلمسه المواطن من ويلات الغلاء والبطالة والكبت والقهر، حتى أصبح مهددا في بيته عاجزا عن علاج بدنه فاقدا لقوت يومه، في ظل طبقية مقيتة وتقسيم المجتمع لعسكر كل شيء مسخر لكبارهم، ثم خدّامهم من شرطة وقضاء وإعلام.

إن من البلاهة تمجيد زيادة الديون والتفريط في الأصول، وبناء القصور والسجون، وهدم بيوت الله، وبيوت الشعب المطحون، وارتفاع نسب الفقر والبطالة، وانتهاك الحرمات والكرامة، ثم الحديث عن تنمية مستدامة وهي تنمية في حقيقتها "مستنامة"، فلا يمكن اقتصاديا أن تولد تنمية من رحم ديون وبناء عاصمة جديدة لا توجد أولوية لوجودها، بدلا من بناء المصانع والمزارع، وقبل كل ذلك بناء الإنسان الحر المثقف الواعي.

إن ما حدث في 20 من الشهر الجاري وما زال مستمرا، من نزول لفئة جديدة مطحونة من الشعب للشوارع وهتافها بسقوط السيسي دون أن يحركها اتجاه أو يدفعها توجه، ما هو إلا رد فعل لما لمسته من ظلم اقتصادي، كما أن هذا يشير إلى كسر حاجز الخوف وينذر بفقاعة انفجار قادمة لا محالة بوجه هذا النظام الذي يظن أن منطق القوة الباطشة هو الحامي له، لا قوة المنطق وخدمة مصالح الشعب باعتبار الحاكم، وإن كان مغتصبا، أجيرا عند شعبه لا سيدا عليه هو وحاشيته.

إن السيسي وعصبته لا يتعظون من التاريخ ونهايات من كانوا أشد منه قوة وأكثر بطشا من الفراعين الكبار، وليس توجهه إلى هدم بيوت الله وخرابها لطمس هوية مصر الإسلامية، فضلا عن هدم بيوت الشعب، إلا حلقة في سلسلة الفرعنة والظلم الاقتصادي لشعب في أمسّ الحاجة لتوفير الدولة له مسكنا يؤويه، بدلا من إلقائه بالعراء ليفترش الأرض ويلتحف السماء، ويبكي على أطلال بيته المهدوم.

لقد حذر ابن خلدون في مقدمته الدولَ من الظلم الاقتصادي، باعتباره مؤذنا بخراب العمران ونهايات الدول، فلا قوام لتنمية مع ظلم اقتصادي تنهب من خلاله الدولة أموال الرعية، وتهدم منازلها.

وذكر ابن خلدون ما حكاه المسعودي في أخبار الفرس عن الموبذان، صاحب الدين عندهم أيام بهرام بن بهرام، وما عرّض به للملك في إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة، بضرب المثال في ذلك على لسان البوم حين سمع الملك أصواتها وسأله عن فهم كلامها، فقال له: إن بوما ذكرا يروم نكاح بومة أنثى، وإنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيام بهرام فقبل شرطها، وقال لها: إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية، وهذا أسهل مراما.

فتنبه الملك من غفلته وخلا بالموبذان سأله عن مراده، فقال له: أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة، والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل. والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب وجعل له قيما، وهو الملك وأنت أيها الملك عمدت إلى الضِياع فانتزعتها من أربابها وعمارها، وهم أرباب الخراج ومن تؤخذ منهم الأموال، وأقطعتها الحاشية والخدم وأهل البطالة، فتركوا العمارة، والنظر في العواقب وما يُصلح الضِياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك..

والمراد من هذا أن حصول النقص في العمران عن الظلم والعدوان أمر واقع لا بد منه، ووباله عائد على الدول. ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك‏.‏

وكل من أخذ ملك أحد، أو غضبه في عمله، أو طالبه بغير حق، أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع؛ فقد ظلمه‏.‏ فجباية الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله‏.‏
———
نقلاً عن "عربي21"

Facebook Comments