مع تزايد العنف والقمع فى مصر من جانب نظام العسكر ضد المعارضين والرافضين للانقلاب الدموي على أول رئيس مدني منتخب، الشهيد محمد مرسي، وضد نشطاء حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، بدأت الأصوات تتعالى فى العالم للمطالبة بمواجهة جرائم عبد الفتاح السيسي وانتهاكاته لحقوق الإنسان .

وانتقدت منظمات حقوقية وصحف دولية صمت الغرب وتجاهله لجرائم العسكر، وطالبت بموقف قوى ومحاكمة العسكر المجرمين أمام محاكم دولية .

وتوقّع سياسيون اندلاع ثورة شاملة فى مصر تقتلع نظام العسكر من جذوره، وتعيد البلاد إلى المسار الديمقراطي الذى انقلب عليه السيسي الخائن .

من جانبها، خصصت صحيفة “واشنطن بوست” افتتاحيتها، اليوم، للحديث عن الانتقام الوحشي الذى يمارسه السيسي ضد النشطاء، مشيرة إلى اعتقال نظام الانقلاب الدموى للناشطة إسراء عبد الفتاح، التي كانت مؤيدة بارزة للانقلاب العسكري عام 2013، وكانت من بين الوجوه القيادية في ثورة 25 يناير 2011. وشأنها شأن العديد من الليبراليين العلمانيين انقلبت ضد حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي المنتخبة، معتقدة أنها كانت تحاول تنصيب ديكتاتور إسلامي. وبناء على ذلك وضعت ثقتها في مزاعم السيسي بإعادة الديمقراطية، لكنها الآن تقبع في السجن وتتعرض للتعذيب بعد أن اختطفت من سيارتها من أحد شوارع القاهرة، من قبل أفراد أمن بملابس مدنية، السبت الماضي، والذين قادوها إلى مكان احتجاز مجهول تعرضت فيه لضرب شديد وخنقت بسترتها الرياضية التي كانت ترتديها حتى فقدت وعيها، ثم أُجبرت على الوقوف لنحو ثماني ساعات ويداها مقيدتان فوق رأسها قبل ربطها بعمود.

شيطنة الإخوان

وأشارت الصحيفة إلى أن إسراء واحدة من مجموعة من النشطاء والصحفيين والمفكرين الذين أيدوا السيسي ضد جماعة الإخوان المسلمين فقط، ليجدوا أنفسهم أهدافا مستباحة لـ”أقمع ديكتاتورية في تاريخ مصر الحديث”، حيث سُجن العديد منهم أو أُجبروا على النفي الطوعي في السنوات الأخيرة.

وأكَّدت أنه منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة المفاجئة ضد الحكومة في 20 سبتمبر، اختُطف عدد من أولئك الذين بقوا وسجنوا رغم أنه لم يكن لهم علاقة بالاحتجاجات الجديدة، مثل المحامية ماهينور المصري، والناشط السياسي والصحفي خالد داود، والصحفي مصطفى الخطيب .

وذكرت واشنطن بوست أن هؤلاء الأشخاص ليسوا مؤيدين لجماعة الإخوان التي شيطنها السيسي واعتاد إقناع داعميه في الغرب- بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب- بالحاجة إلى أسلوب حكمه القاسي.

وقالت إن هؤلاء هم المصريون الذين يتطلعون لبناء نظام ديمقراطي في أكثر الدول العربية اكتظاظا بالسكان، على أساس حرية التعبير والتجمع والانتخابات الحرة والنزيهة. مؤكدة أنه من خلال تعريضهم للسجن والتعذيب والنفي، لا يظهر السيسي ضعف نظامه فقط الذي فزع من موجة متواضعة من الاحتجاجات، بل إنه يضمن أن البديل الوحيد للحكم العسكري في مصر سيكون إسلاميا.

نظام إرهابي

واستنكر موقع “ميديابارت” الفرنسي القمع الذي تمارسه سلطات العسكر، مستبعدا أن يوقف هذا القمع غضب الجماهير ضدها. وحذر من اندلاع ثورة ضد عبد الفتاح السيسي، وإن بدت مستحيلة في السياق الحالي.

وأوضح الموقع أن شعار “ارحل يا سيسي” الذي صدحت به حناجر المصريين في الشوارع، مُخاطرين بأرواحهم قد دوّى في سماء العاصمة وعدة مدن أخرى فى 20 سبتمبر الماضي، لأول مرة منذ هيمنة السيسي على السلطة عام 2013، بعد الانقلاب العسكري الدامي على الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي.

وقال إن هذه المظاهرات- التي فرقتها قوات النظام القمعية بسرعة بالغاز والرصاص المطاطي- كانت فريدة من نوعها وغير متوقعة في مصر، التي تخضع منذ ست سنوات لأحد أسوأ الأنظمة على هذا الكوكب. وهو نظام يحظر التظاهر ويمارس كل أنواع إساءة المعاملة والتعذيب والاعتقال والحجز التعسفي والاختفاء القسري وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء لتكميم الناس وإسكات أي أصوات مخالفة.

ورأى الموقع أن إعادة التعبئة في الشارع المصري مثيرة للإعجاب، وتمثل تحذيرا خطيرا لنظام السيسي، خاصة أنها جاءت على خلفية دعوات لإسقاط السيسي أطلقت على الشبكات الاجتماعية من قبل رجل أعمال في المنفى يدعى محمد علي، نشر سلسلة من مقاطع الفيديو من إسبانيا، منذ بداية سبتمبر الماضي، يدعو فيها إلى الوقوف ضد السيسي والجنرالات الحاكمين، ويتهمهم بالفساد.

ونبّه إلى أن الخطورة تكمن في بلد سكانه أكثر من مئة مليون وهم يعانون من أزمة طاحنة، ويتزايد الفقر بينهم تحت ضغط التقشف المفروض بشروط صندوق النقد الدولي الذي يقدم لحكومة العسكر قروضا، لافتا إلى أن النظام واجه انتفاضة المصريين الشعبية والسلمية بالسيطرة على ميدان التحرير واعتقال الآلاف، من بينهم قصر وصحفيون ونشطاء سياسيون.

وأعرب موقع “ميديابارت” عن اندهاشه من أن السيسي لا يزال حليف الغرب، الذي يغض الطرف عن نظامه الإرهابي، وعن التعذيب باسم المعركة ضد الإرهاب، مؤكدا أنه لم يتلق تحذيرا واحدا من فرنسا التي باعته سلاحا بقيمة 7.4 مليار يورو بين عامي 2014 و2018.

الثورة قائمة

واعتبر يوسف الشاذلي، الباحث المصري في العلوم السياسية بالمعهد الفرنسي للدراسات، القمع الذي واجهت به سلطات العسكر انتفاضة 20 سبتمبر “إرهاصات ثورة، قد تكون قريبة وإن كانت تبدو مستحيلة .

وقال الشاذلي، فى تصريحات صحفية: إنه منذ وقت غير بعيد، كان من المستحيل أن تخرج احتجاجات ضد السيسي حتى جاءت الاحتجاجات غير المسبوقة في عدد من المحافظات، والتي طالبت علنا برحيل الديكتاتور السيسي.

وتساءل: هل يستطيع نظام العسكر أن يوقف الغضب ضده؟ متوقعا اندلاع ثورة ضد هذا النظام قريبا.

وأوضح الشاذلي أن المشاركة في حدث هو قرار فردي يتحكم فيه تقديرنا للتكلفة والمخاطر وفوائد هذه المشاركة، ولكن آليات الدخول في الاحتجاج تتحكم فيها ديناميكيات المجموعات الصغيرة التي ستحتج معا، ودوائر الصداقة وشبكات الجوار.

وأشار إلى أن فيديوهات محمد علي كشفت بلغة طبيعية يسهل فهمها قصص الفساد، كما أنه تلاعب بالألفاظ بطريقة فيها دهاء، وحشد عناصر اللغة القومية والثورية، وركز الانتباه على السيسي وكبار الضباط، لا على الجيش بشكل عام.

وأضاف الشاذلي أن إبراز التناقض بين نمط حياة كبار أعضاء الدولة والحياة اليومية للمصريين الفقراء بشكل متزايد؛ يلعب دورا مهما في التعبير عن المظالم، ولكنه لا يكفي لتفسير التعبئة، غير أن هذه “الفضيحة” يمكنها توجيه هذا الغضب حول موضوع وتسمية الجاني. موضحا أن خصوصية الأزمات السياسية هي أنه لا يمكن التنبؤ بها، وأنه من الصعب للغاية التحصن منها.

منظومة العدالة

وقال أحمد بدوي، أكاديمي وباحث في العلوم السياسية: إن نظام عبد الفتاح السيسي يتفادى “الخطأ” الذي ارتكبه نظام المخلوع حسني مبارك، حيث أتاح هامشًا من الحريات تسبب في حدوث تعبئة شعبية أدت لاشتعال ثورة 25 يناير عام 2011 التي قادت للإطاحة بحكمه.

وأضاف بدوي، فى تصريحات صحفية، أن نظام السيسي يعادي كل من يخالف نهجه في إعادة بناء الدولة، حتى وإن كان دعمه في تنفيذ انقلاب 3 يوليو، مشيرا إلى أن أي معارض لا يملك سوى خيارين: إما أن يعيش في المنفى أو داخل السجن. معربا عن قلقه من تبعات القبضة الأمنية التي يستخدمها نظام السيسي، مشيرا إلى أن أخطر عقبة هي تفكُّك المجتمع المصري نتيجة انهيار منظومة العدالة، واستدل على ذلك بارتفاع نسبة الجريمة وزيادة إقبال الشباب على المخدرات.

وانتقد خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات، صمت المجتمع الدولي عن ملف حقوق الإنسان فى مصر، مؤكدا أن هذا الصمت أسهم في ازدياد الانتهاكات الحقوقية فيها، خاصة مع وجود دعم دولي للسيسي مقابل خدمته لمصالح بعض القوى الدولية في المنطقة.

وحذر من خطورة الصمت الدولي على حادثة وفاة الرئيس الشرعي محمد مرسي داخل السجن، وعدم صدور ردود أفعال دولية تؤمّن حماية للديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان.

وعبّر العناني، فى تصريحات صحفية، عن قناعته ببقاء وضع الحريات في مصر على ما هو عليه، ما لم يحدث تغيير في البنية السياسية الرسمية في أميركا وبعض الدول الأوروبية المؤثرة، لافتا إلى تزايد تنامي القوى اليمينية المتطرفة المستفيدة من الأنظمة السلطوية التي تمنع توافد المهاجرين إلى البلدان الأوروبية. كاشفا عن تفاؤله بحدوث تغيير حتمي في المستقبل، معربا عن قلقه من كيفية تعامل نظام العسكر مع أي تغيير قد يحصل أو ثورة تقوم، وخشيته من أن يتحول إلى تغيير “دامٍ” يشبه ما يحدث في سوريا.

Facebook Comments