تخيل انك في مواجهة أسد مدجج بكل أنواع القوة بينما لا تحميك منه سوى “عصا مقشة”، هذا هو الحال ببساطة بين المواجهة الدائرة في اليمن، حيث وجّه التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن أصابع الاتهام لإيران بتزويدها الحوثيين بصاروخ قالت الجماعة إنها أطلقته على مطار أبها السعودي ما أسفر عن إصابات وأضرار مادية.

وقال المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي العميد يحيى سريع: إن “الصاروخ الذي استهدف المطار، أصاب برج المراقبة ونجح في تعطيله”، وأضاف: “صاروخ كروز المجنح، دك برج المراقبة بشكل مباشر، ما أدى إلى تدميره وخروجه عن الخدمة، مشيرا إلى تعطل الملاحة الجوية في المطار”.

رعونة ابن سلمان

في تحد للسيادة الأمريكية على منطقة الخليج العربي تم تفجير ناقلات للنفط في ميناء الفجيرة الإماراتي بالإضافة لضرب الحوثيين لخط أنابيب لنقل النفط في العمق السعودي عبر طائرات مسيرة، وفوجيء الجميع بعدها بترامب يتراجع عن تهديد إيران بالحرب مفضلا الحل الدبلوماسي، فهل تخشي أمريكا من مواجهة إيران، أم أنها لعبة مصالح ليس أكثر؟

ونقلت قناة العربية السعودية عن المتحدث باسم التحالف تركي المالكي قوله إن هناك أدلة على أن الحرس الثوري الإيراني أمد الحوثيين بالسلاح الذي استهدف مطار أبها، وأضاف المالكي: “نقوم بجمع الأدلة لتحديد نوعية المقذوف الذي استهدف مطار أبها”.

وفي حقيقة الأمر فإن الولايات المتحدة في زمن ترامب لا توفّر الحماية للسعودية، إنما توفّر لها تغطية السياسات التي يتبنّاها الحكم السعودي في إدارة الحكم وفي سياسته الإقليمية والخارجية، وهي مهمة شديدة الصعوبة والكلفة، نظراً إلى أن دور الحكم المميّز يتميّز بقدرته على اختلاق الأزمات المستعصية لنفسه وحوله، ويتجاوز بذلك كل مألوف في الأنظمة الملكية والاستبدادية.

الأزمة التي افتعلها الحكم السعودي مع قطر، الشريك في مجلس التعاون الخليجي، سببها العميق هو عدم اقتناع الحكم السعودي بوجود دولة صنعتها بريطانيا في غفلة من الزمان، قبل أن يتمدّد إليها الحكم السعودي بالشراكة مع الولايات المتحدة التي ورثت بريطانيا.

وفي الإطار نفسه يطمع الحكم السعودي بأجزاء من سلطنة عُمان كما طمع بجيزان وعسير اليمنية، وكما يطمع باليمن وفي محافظة الهمرة كحاجة له في الوقت الحالي لتمرير أنابيب النفط إلى البحر، وتغطية أطماع الحكم السعودي في قطر على سبيل المثال لا الحصر مكلفة لترامب، الذي يضطر لبذل جهود صعبة لا تتبعها دولة كبرى مع شركائها للمحافظة على قواعدها العسكرية وأساطيلها ومصالحها الإستراتيجية.

هلال شيعي

من الصعب على دولة كبرى إدارة الأزمات الصغيرة التي يفتعلها الحكم السعودي كما تفتعل دول الموز، إلاّ إذا كان رئيسها كترامب لا يضيره تنظيف الأوساخ ولكل ما يقوم به ثمن، وهو ما يؤكده الكاتبان ستيفين سايمون ودانييل بنجامين في الجزء الأول من مقال لهما نشرته مجلة “ذي نيويورك بوك ريفيو”، بالقول:”رعونة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ناتجة عن تحريض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي طالما تفاخرت بعلاقتها مع هذا الشاب الذي غدا الحاكم الفعلي للمملكة”.

ومما زاد من شعور السعوديين بخيبة الأمل – والكلام للكاتبين ستيفين سايمون ودانييل بنجامين- مع الولايات المتحدة تلك الدبلوماسية التي تمخضت عن اتفاق النووي مع إيران، والذي رأي فيه السعوديون نذيراً لتقارب أشمل مع إيران بما يمهد الطريق أمام انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الخليج، وتصاعد التوتر خلال تلك الفترة بسبب دعم إيران لحزب الله في لبنان والخوف من قيام “هلال شيعي” تسوده طهران يمتد من لبنان عبر سوريا إلى العراق ثم إيران.

ورغم ذلك تستمر التصريحات العدائية من الرئيس ترامب ضدّ النظام السعودي، وكأن السعودية ليست حليفة لأمريكا، وكأن ترامب لم يحصل على 460 مليار دولار من السعودية في قمّة الرياض عام 2017، والمؤكّد أن العلاقات الأمريكية السعودية تُوصف بأنها علاقات تاريخية قوية، حقّقت من خلالها أمريكا على مدى عشرات السنين، ولا تزال، الكثير من المكاسب السياسية والاقتصادية الإستراتيجية، وأخذت السعودية الثمن في استقرار النظام، وعدم سقوطه رغم العواصف السياسية التي مرت بها السعودية منذ تأسيسها قبل 88 عاماً وحتى اليوم.

إيران اليوم تهدد بمنع خروج النفط من الخليج، وقامت بتنفيذ عمليتين نوعيتين في الفجيرة والعمق السعودي عبر أذرعها العسكرية، الأمر الذي أعاد للأذهان ذكريات الثمانينيات المؤلمة وقتلي المارينز في لبنان، كما أن إيران اليوم مستعدة بصواريخ باليستية وبمنظومة دفاع (اس 300) الروسية، فهل يتحمل البنتاجون فيتنام اخرى؟ وكيف سيخرج ترامب من ذلك المأزق السياسي الذي وضع نفسه فيه؟

فيسبوك