دارت عجلة تهجير المصريين ولا تريد أن تتوقف، وهذه المرة كانت في نزلة السمان المجاورة لمنطقة الأهرامات، حيث فوجيء الأهالي بحملة مكبرة تهدف إلى البدء في إزالة المنازل، فحدث الصدام الطبيعي بين سلطة لا تحترم حق الإنسان في العيش وبين مواطن يرفض أن يخرج من بيته إلى المجهول.

عندما بدأت عمليات التهجير في رفح على الحدود مع الاحتلال الصهيوني ظن كثير من المصريين أن رفح استثناء بسبب الدعاية التي شيطنت سيناء وأظهرت سكانها وكأنهم شياطين إرهابيون يستحقون القتل والتهجير، ولكن سرعان ما قفزت سياسة التهجير إلى جزيرة الوراق في قلب النيل، ثم مثلث ماسبيرو الذي تم تهجير كل سكانه، ومؤخرا قررت السلطة تهجير سكان مثلث رأس الحكمة في الساحل الشمالي، حتى وصلنا إلى المحطة التي لن تكون الأخيرة في نزلة السمان.

هذا التهجير الظالم لا يجري من أجل مصلحة عامة على النحو الذي حدث مع أهلنا في النوبة عندما شرع جمال عبد الناصر في بناء السد العالي -مع تجاهل السلطة منذ ذلك الحين لمطالب الذين تم تهجيرهم- أو بسبب ضرورة ملحة لدواعي طارئة متعلقة بالكوارث أو الاستعداد لها، وإنما الهدف من التهجير هو طرد السكان لبيع الأرض للمستثمرين الأجانب والإماراتيين بشكل خاص.

لا توجد دولة تتعامل بمثل هذا الاستخفاف مع المواطنين وتقرر إخلاء مناطق وجزر مأهولة بالسكان لبيعها للمستثمرين الأجانب، فالمواطن له حق في العيش والحياة الكريمة، وعلى الدولة أن تحميه وتحافظ على حقوقه وليس التضحية به لصالح دوائر الاستثمار التي تحركها الصهيونية العالمية.

تخطيط صهيوني

تهجير سكان نزلة السمان جزء من مشروعات التخطيط العمراني التي وضعتها بيوت خبرة صهيونية لإخلاء مناطق بالقاهرة الكبرى بزعم التطوير وإعادة التخطيط، والذين وضعوا هذه التصورات في الغرف السرية على الورق والماكيتات لم يبالوا بالسكان والعنصر البشري.

بالنسبة لمصر فإن مشروعات التخطيط العمراني تم وضعها في مكتب تابع للأمم المتحده اسمه “برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية – الهابيتات” ويتم تمريرها من خلال هيئة التخطيط العمراني ووزارة الإسكان، والشخص الذي يمرر هذه المشروعات هو الدكتور مصطفى مدبولي منذ أن كان رئيسا لهذه الهيئة قبل ثورة يناير حتى نوفمبر 2011 وشغل منصب المدير الإقليمي للدول العربية بمكتب المستوطنات من نوفمبر 2012 حتى آخر فبراير 2014، قبل أن يتولى وزارة الإسكان ثم رئاسة الوزارة.

كانت البداية التي تكشف هذه الرؤية المعادية للشعب المصري مشروع “القاهرة 2050” الذي قدمه الدكتور مدبولي لجمال مبارك فتبناه لكن جاءت الثورة وأوقفته، وظل حبيس الأدراج حتى جاء عبد الفتاح السيسي الذي تبنى هذه المشروعات العمرانية وأصبحت هي محور نشاطه إن لم تكن النشاط الوحيد.

ملخص مشروعات التخطيط العمراني التي يقف خلفها مكتب المستوطنات هو إخلاء مناطق لها أهمية اقتصادية من سكانها لبيعها للمستثمرين ورفع شعار خادع اسمه تطوير العشوائيات!

كل المناطق التي يستهدفها التهجير ليس الهدف منها هو التطوير وإنما الإخلاء للبيع والتربح وتحويل الحكومة إلى سمسار عقاري جشع بلا أي حس إنساني، فالرسوم والماكيتات تكشف هذا بوضوح، فلا مكان للسكان، وإنما استبدالهم بسكان آخرين من الأثرياء، الملاك الجدد للأبراج وناطحات السحاب الفخمة التي تظهر في مخططات التطوير.

بيع نزلة السمان

ليس الهدف من تهجير سكان نزلة السمان مصلحة عامة أو البحث عن معبد قديم تحتها كما يبرر البعض، لأن الصور المنشورة في مخطط تطوير المنطقة الذي أعدته هيئة التخطيط العمراني تظهر تحويل المنطقة بعد إخلائها إلى مدينة استثمارية سياحية بها سلسلة فنادق تطل على الهرم (9 فنادق) ووحدات استثمارية سياحية باسم قرية نزلة السمان الجديدة ( 11 ألف وحدة).

المنطقة المستهدفة بالإخلاء مساحتها 535 فدان، ولا تظهر التصميمات أي وجود للسكان في هذا التطوير المزعوم، بل والأكثر غرابة لا تتضمن خطط الإخلاء أي تصورات لمصير المواطنين الذين سيتم تهجيرهم، وهذا يفضح الخلل في هذا المخطط العمراني عديم الرحمة الذي يتعامل مع الجغرافيا وكأنها صحراء خالية يتم تقطيعها وتقسيمها كقطعة الجبن.

نزلة السمان تختلف عن جزيرة الوراق ورأس الحكمة في أنها أكثر صعوبة في تنفيذ هذه الخطط العدائية، لأنها منطقة سكنية مكتظة، ويصعب على الحكومة أن تتعامل مع مئات الآلاف من السكان المقيمين، ولا فرصة للتحايل بشراء الأراضي بالإغراء والتهديد لتفكيك اتحاد الأهالي كما يجري في الوراق ورأس الحكمة.

أيضا لن تستطيع السلطة طرد الأهالي إلى المجهول بسهولة، لأن نزلة السمان في قلب القاهرة الكبرى وأي استخدام للقمع والقوة الباطشة لن يكون في صمت في ظل رفض السكان الخروج وقوة وسائل التواصل الاجتماعي.

ستصطدم مشروعات التهجير بصخرة صعبة، فالقوات الأمنية لن تواصل التنفيذ في ظل المقاومة الشعبية، وظهر هذا بشكل واضح في الوراق حيث رفض الضباط والجنود استخدام القوة ضد الأهالي البسطاء الذي خرجوا بأولادهم يقفون ضد قرار إعدامهم لصالح مجموعات من اللصوص تظن أن المصريين مجرد كائنات يمكن تشريدها والتخلص منها.

نتمنى أن يتوقف مخطط التهجير الذي لم نر مثله أثناء الاحتلال الانجليزي، وإذا كان التهجير في العراق وسوريا بسبب الاحتلال الأجنبي والحرب والصراعات العرقية والمذهبية فما هي دواعي هذا التهجير في مصر؟ وكيف تقبل الدولة بمثل هذه الخطط التي تخرب ولا تعمر، وتهدم ولا تبني؟

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments