ولمّا كانت ذكرى الانتصار العربي العظيم العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، جاء بيان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة على “فيسبوك” متحدثًا عن نجاح القوات الباسلة في ضبط كميات من الحشيش والبانجو والأقراص المخدّرة في سيناء.

أمضيت فترة طويلة في متابعة مثل هذه البيانات، منذ نشر البيان الأول في فبراير 2012، معلنًا انطلاق ما أسماها “العملية الشاملة سيناء 2018” لاقتلاع الإرهاب من جذوره، ثم توقفت مللًا وحزنًا على تلك الصور الرائعة المحفوظة في الذاكرة عن جيش مصر، حين كان العدو معروفًا ومحدّدًا، والأمة كلها تلتقي على قلب رجل واحد من أجل الانتصار بعد الانكسار.

اكتشفت، بعد البيان رقم 17، أن هناك صيغة واحدة لا تتغير بتعاقب البيانات، على نحوٍ تشعر معه بأنك بصدد بيان واحد تتكرّر إذاعته، مع تغييرٍ طفيفٍ في عدد المضبوطات وكمياتها. وكما ورد في البيان الأخير، المنشور أمس: “تمكّنت القوات من ضبط (٠٠٠) كيلو جرام من جوهر الحشيش المخدر وضبط (٠٠٠ ) كيلو جرام من نبات البانجو، بالإضافة إلى (٠٠٠) كيلو جرام من مادة الأفيون المخدر وضبط (٠٠٠٠٠٠٠) قرص مخدر واكتشاف وتدمير (٠٠٠) فدان من نبات الخشاش والبانجو و(٠٠٠) كيلو جرام من بذور الخشاش والبانجو، وضبط عدد (٠٠٠) عربة تستخدم فى أعمال التهريب بالإضافة إلى ضبط عدد (٠٠) جهاز يستخدم للتنقيب عن المعادن وضبط كمية كبيرة من المبالغ النقدية، كذلك إحباط محاولة للهجرة غير الشرعية لعدد (٠٠٠) فرد من جنسيات مختلفة على كافة الاتجاهات الإستراتيجية للبلاد وضبط عدد (٠٠٠٠) قاروصة سجائر ثبت بالتحليل احتواؤها على مواد مسرطنة، وضبط (٠٠) هاتف للاتصال عبر الأقمار الصناعية وعدد (٠٠) جهاز (GBS)..

هذه العملية الشاملة، سيناء 2018، انطلقت في أبريل 2018 ببيان مختصر يقول: “قامت القوات المسلحة والشرطة برفع حالة التأهب القصوى لتنفيذ عملية شاملة على الإتجاهات الاستراتيجية فى إطار مهمة القضاء على العناصر الإرهابية”.

وتوالت البيانات فيما بعد، حتى وصلنا إلى الرقم 30، فقرّرت صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك، التوقف عن العد والإحصاء، وانتهت 2019 وانتصفت 2019 ولا تزال بيانات العملية 2018 مستمرة، مع ملاحظة تجنب ذكر رقم البيان، ربما مللًا من التكرار، أو تعبًا من الإحصاء، مع العلم أن تلك العملية الضخمة التي انطلقت، في ظل زخم إعلامي هائل وتعبئة معنوية مكثفة، كانت بغرض القضاء على الإرهاب نهائيًا خلال ثلاثة شهور فقط، بناء على التعليمات الصارمة من الجنرال، عبد الفتاح السيسي، حين خاطب رئيس الأركان في ذلك الوقت الفريق، محمد فريد حجازي، على الهواء مباشرة، قائلًا: أنت ملتزم أمامي بالقضاء على الإرهاب في سيناء خلال 3 شهور.. أنت ووزارة الداخلية (اللواء مجدي عبد الغفار)، باستخدام ما وصفها بكل القوة الغاشمة.

الملاحظة الأساسية، بعد تحليل مضمون عدد لا بأس به من هذه البيانات المكرّرة، أنها تبدو للوهلة الأولى وكأن الموضوع الأساس هو مكافحة المخدرات وأعمال التهريب، لا أنشطة الإرهاب، وذلك بالنظر إلى آلاف الأطنان من الحشيش والبانجو والخشخاش المزروعة في مساحات هائلة من أرض سيناء، والتي يعلن عن ضبطها وتدميرها كل مرة.

هذا الأمر يطرح سؤالًا: إذا كانت العملية شاملة، وتتم باستعمال “القوة الغاشمة”، جوًا وبرًا وبحرًا، بتعبير عبد الفتاح السيسي، فكيف يتسنّى للمجرمين أن يستمروا في مواصلة أنشطتهم بهذه الكيفية والجرأة في منطقة مشتعلة بنار الحرب الشاملة؟

كيف بعد ثلاثين من البيانات المعدودات، وأخرى من دون عدد، يواصل المجرمون والإرهابيون زراعة المخدّرات والموت بهذه الأريحية. وبحسب الإحصاءات المعلنة ينمو إنتاجهم من المواد المخدرة، وتزيد حصيلتهم من السلاح؟.

كيف يتواصل سقوط الشهداء من الضباط والجنود والمواطنين في سيناء، بينما العام 2020 على مرمى ستة أشهر بينما العملية 2018 لا تزال تتحدّث عن النجاحات والإنجازات؟.

لقد تعبنا من الدماء، وأنهكنا الأسى على ركاكة بياناتٍ معلبة، محشوّةٍ بأرقام غير معقولة عن جوهر الحشيش والفرد التكفيري ومخدر البانجو، وأحسب أنه ما هكذا تعلن الجيوش عن نفسها وتحركاتها، فتخاطب المواطنين يوميًا عن بطولاتها في ضبط الحشيش والترامادول والبانجو.. ليس من أجل هذا وُجِدَت الجيوش، فارحموا صورتكم عند الناس.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

فيسبوك