حملة مسعورة يمارسها السفاح عبد الفتاح السيسي وجنوده على بيوت الله وبيوت عباد الله؛ لا مبرر لها إلا البلطجة بكل معانيها ودلالاتها، والعجيب أنه وهو يمارس هذا العدوان السافر يستعمل الدين في التبرير والتزوير؛ ليجمع إلى البلطجة صفاقة مقرفة مقززة، فيما يحاول إعلام الانقلاب إقناع المصريين بأن هذا حق السفاح وأن المواطن هو المعتدي الظالم؛ ليغتال حق الناس حتى في البكاء والشكوى.

وأعرب ناشطون مصريون عن عدم خشيتهم من المشاركة في المظاهرات التي دعا لها المقاول المعارض محمد علي، يوم 20 سبتمبر 2020، لإنقاذ مصر من سلطة الانقلاب العسكري بقيادة السفاح عبد الفتاح السيسي، رغم شن الإعلام الانقلابي حملات مضادة.
وسخر رواد موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" عبر مشاركتهم في هاشتاج #نازلين_ومش_خايفين، من إعادة الترويج لمقطع فيديو قديم للإعلامي أحمد موسى الموالي للعسكر، وهو يرهب فيه المصريين من التظاهر ويتوعد بتطبيق قانون الإرهاب على المتظاهرين.

هل للدولة أملاك؟
استعان ملك التطبيل الاعلامي عمرو أديب، بأجزاء من تقرير لقناة الجزيرة في تركيا، ليبرر حملات إزالة البيوت والمساجد التي تقودها سلطات الانقلاب بمصر بذريعة المخالفة، حيث نشر فيديوهات لهدم مساجد تركية ضربها زلزال، بدعوي ان أنقرة تهدم المساجد مثل مصر، ليضلل المصريين ويبرر هدم السفاح السيسي 30 مسجدا.

وللرد على إعلام الانقلاب يبرز كتاب "الأحكام السلطانية"، وهو من أهم الكتب المؤلفة في السياسة الشرعية وإدارة الدولة وسياسة الشعوب؛ وهو من تأليف الفقيه أبي الحسن الماوردي؛ وأقر فيه بانه لا يوجد في الحقيقة أملاكٌ للدولة، وإنما هي أملاك الشعب وأراضي الشعب وأموال الشعب، فـ"مال المسلمين" ملك للمسلمين، والحاكم – المنتخب شرعيًا- وكيل عنهم في التصرف في هذا المال، بل إنه لا يسمى المال العام؛ حتى لا تستبد عصابة الانقلاب بالتصرف فيه.
ورفض الصحابي "أبو ذر" تسمية الصحابي "معاوية" لهذا المال بمال الله، مع أن المال مال الله، لأن تسمية الخليفة للمال هنا تسمية سياسية اقتصادية، سواء قصد أم لم يقصد، ويترتب عليها أحكام، سواء تأخرت أو تعجلت، فمال الله يعني الملكية العامة، يعني المال العام؛ ويترتب عليه استبداد الدولة في التصرف فيه، وبعد حوار رضخ الخليفة معاوية لرأي أبي ذر وسماه مال المسلمين.

ويدل ذلك على أن التسمية ليست مسألة شكلية وإنما هي تكييف سياسي واقتصادي، فإذا كان المسلمون الأوائل ممثلين في أبي ذر، رفضوا تسمية (مال الله)، ورأوا أن تسمى باسم (مال المسلمين)، فإن هذا يدل على أنها ليست مملوكة للدولة، وإنما لجماعة المسلمين، والتكييف على هذا النحو له معطياته، فيمن يتخذ القرار وهى السلطة التنفيذية، وفيمن يراقب وهو الشعب.

وشرعًا على الحاكم الشرعي المنتخب أن يحاسب المسئولين الذين تهاونوا في المخالفات حتى فات أوان الإصلاح، وأن يتلطف مع المخالفين الذين صارت مخالفاتهم واقعا يعود بالأشياء إلى أصلها قبل ورود يد الدولة عليها، وأن يبحث عن حلول يعالج بها الإشكالات التي تسبب فيها المسئولين بتفريطهم وتهاونهم.

هذا إذا كان الحاكم شرعيا يحظى بشرعية حقيقية ويمثل الأمة تمثيلا حقيقيا، فأما إذا كان هذا الحاكم جنرالا انقلابيًا مواليا للصهاينة راعيا لمصالح أعداء الأمة، ويهدم بهذه القسوة ليرهب الشعب حتى ينفض أكياسه في حجره، وهو في ذات الوقت لا يملك شرعية يفعل بها هذا فإن الحكم يختلف.

وفي حال السفاح عبد الفتاح السيسي الذي يبذل وسعه في إرضاء الكيان الصهيوني، ويظاهر الكافرين على الإسلام والمسلمين، ويبدد ثروات الأمة وأرضها ونيلها عن عمد، ثم يوقف البناء ويزيل من يخالفه من أجل تسويق ما بناه بالسخرة، إن مثل هذا الجنرال المنقلب ليس له في نظر الإسلام أن يحكم في بعير ضال، وليس له هو ولا نظامه عند الشعب إلا الطرد واللعن والضرب بالأحذية.

ولو أن مسلما يُهدم بيته بهذه الطريقة قام ودافع عن بيته وماله؛ فَقُتِل لكان شهيدًا، أو قَتَلَ لكان المقتول في النار؛ آمرًا كان أم مأمورًا؛ إذ إن أقل ما يوصف به هؤلاء الخونة أنهم صائلون على أموال الناس عابثون ببلادهم وأراضيهم وبيوتهم وسائر شئونهم.

وحملت احتجاجات الأهالي بمحافظة الإسكندرية رسالة واضحة، والتي أجبرت قوات شرطة الانقلاب على التراجع وعدم هدم منازلهم، والمثير أن الرسالة تبدو واضحة للطرفين، سواء الشعب أو سلطة الانقلاب وعلى رأسها السفاح السيسي.

في الأربعاء الماضي تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع مقاطع مصورة لأهالي منطقة المنشية في الإسكندرية وهم يتصدون لقوات الانقلاب التي حاولت هدم بعض المنازل في إطار الحملة الموسعة التي تقوم بها سلطات الانقلاب لهدم المنازل بدعوى مخالفتها وعدم قيام أصحابها بالتصالح مع عصابة العسكر عبر دفع غرامات مالية كبيرة، وهي الحملة التي أثارت غضبا شعبيا واسعا.

وقال نشطاء إن رسالة الإسكندرية واضحة وهي أن الشعب إذا كسر حاجز الخوف فلن تستطيع سلطات الانقلاب قهره، مستدلين بما حدث قبلها بيوم في منطقة الخانكة بمحافظة القليوبية، حيث تصدى الأهالي أيضا لقوات الانقلاب وأجبروها على التراجع، واعتبر مراقبون أن ما حدث يمكن أن يكون نواة لاشتعال ثورة المصريين من جديد.

الصدمة الرأسمالية
وصرح السفاح السيسي مع بداية الاستيلاء على الحكم، بعد الانقلاب الذي شاركت فيه عدة دول عربية وأجنبية، بأنه لم يعد هناك شيء مجانا (مافيش حاجة ببلاش خلاص.. إن كان علي أخلي اللي بتكلم في التلفون يدفع واللي بيسمعه يدفع)، وتلك خلاصة نظرية "الصدمة الرأسمالية" والتي وردت في كتاب “عقيدة الصدمة.. صعود رأسمالية الكوارث”، للمؤلفة الكندية ناعومي كلاين، وتكشف الكاتبة السياسيات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة كرهًا من قبل المؤسسات المالية الكبرى والدول الرأسمالية الغربية منذ أربعين عامًا.

وهذا ليس كلام السفاح السيسي، فهو أقل إدراكا من أن يفهم المعنى الوارد في النظرية، لكن المحركين استطاعوا من خلال البرمجة اللغوية العصبية أن يجروا على لسانه ما بات مقتنعا به من خلال تغيير السلوك من ناحية، وخضوعه كأداة لمحركيه من ناحية أخرى.

ومن هنا تابع الرجل سياسات اقتصادية قاسية، رفع من خلالها الدعم بشكل شبه كلي عن شعب يعاني الفقر والبطالة، ولا يتحمل ما يتحمله العالم من أسعار سوق تراعي الدخول، ومظلة صحية مميزة تغطي كامل الشعب، ويحمي الشعوب مجتمع مدني قوي يستطيع أن يصد هجمات الرأسمالية الشرسة إذا ما تغولت.

أما عصابة الانقلاب بمصر فترفع أسعار المحروقات ومواصلات والكهرباء والغاز جبرا، ويقول السفاح السيسي: "محدش يقولي متغليش.. المشروعات دي بقروض"، كما قام بتعويم الجنية ورفع الأسعار، وجلب قروضا خارجية متتالية وصلت إلى 109 مليارات دولار، وباع أصول مصر عبر الصندوق السيادي لمستثمرين عرب وأجانب.
وهذا بيت القصيد ومربط الفرس، وهو هدف مشاركة مخابرات الغرب في التخطيط للانقلاب وإيصال السفاح السيسي إلى سدة الحكم؛ فالدور الوظيفي الذي يلعبه السفاح السيسي وعصابته هو ذلك المخطوط في نظرية الصدمة الاقتصادية.

ولم يكن الانقلاب غاية في حد ذاته وإنما وسيلة، للتنازل عن حدود مصر الاقتصادية ومن ثم حقها في غاز المتوسط للكيان المحتل، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير من أجل مشروعات سياحية خارج وصاية المتدينين في مكة والمدينة.

وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها في محافظات مصر المختلفة والتهديد بإنزال الجيش لتنفيذ الهدم، هو من أجل أن يبيع المساكن التي بناها جيشه، كما أوقعه لسانه منذ أسبوع، حين قال: “لما بنروح المحافظات وناحذ قطعة أرض ونبني عليها تجمع الناس ما بتخدوش”.
إذن فهدم مساكن الناس على رؤوسهم هو إجبار لكي يشتري المواطن جبرا تلك البيوت التي تباع بأسعار خيالية وفوائد غير منطقية لمصلحة فئة بعينها مرتبطة بدوائر القروض والفوائد العالمية، فالخدمة في النهاية ذاهبة من خلال استيراد المواد الأساسية والسلع الرأسمالية.

دائرة مركبة بعضها فوق بعض، منطلقها بالأساس ما لفتت له ناعومي كلاين في كشف نظرية الصدمة الاقتصادية التي تعيشها مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو.

Facebook Comments