من حيث لا يحتسب، وعلى مسافات من الاستعدادات الأمنية المنتشرة في شوارع وميادين مدن مصر، جاءت غضبة المصريين الأحرار من قرى مصر، والمناطق المتاخمة للمدن، في توسع غير مسبوق لمساحة الغضب والذي لم يعد مؤدلجا أو متحركا من دعوات تنظيمية أو سياسية، بل جاء مبشرا بثورة شعبية، لا يمكن مكافحتها في قرى مصر البالغ عددها 4500 قرية مصرية، بجانب المناطق والمدن المصرية التي انحاز بعضها للتظاهرات الشعبية، وواجهوا أساطين الأمن والبلطجة الذي يحركهم الأمن الوطني.

فمنذ ظهر الاحد 20 سبتمبر، شهدت بعض المحافظات والقرى، تظاهرات مطالبة برحيل السيسي، وسط استنفار أمني مكثف، وبطء لحركة الإنترنت لكبح جماح مظاهرات 20 سبتمبر، وخرجت المظاهرات في محافظات القاهرة والقليوبية والجيزة والإسكندرية والبحيرة والمنيا وأسيوط وسوهاج وأسوان، تنديدا بسياسات "السيسي"، مرددة هتافات منها "ارحل يا سيسي، مش عايزينك، يسقط يسقط حكم العسكر".

وبث متظاهرون عبر مواقع التواصل مقاطع فيديو وثقت تلك التظاهرات في مناطق البساتين في قلب القاهرة، وجزيرة الوراق والعياط وأطفيح وقرى الديسمي وصول ونزلة الأشطر في الجيزة، والقناطر الخيرية في القليوبية، وكفر الدوار في البحيرة، وطريق الإصلاح بالمعمورة في الإسكندرية.

وشهدت بعض المناطق اشتباكات محدودة مع قوات الأمن، ورشقا بالحجارة لسيارات الشرطة، منها مدينة نصر، فيما قام متظاهرون بقطع الطريق في إحدى قرى محافظة الجيزة، مرددين هتافات غاضبة ضد "السيسي".
وشهدت قرية "الكداية" التابعة لمركز "أطفيح" بمحافظة الجيزة، تحطيم سيارتي شرطة، وإشعال النيران بهما.

تلك التظاهرات حملت رسالة واضحة أن هناك غضبا حقيقيا يمهد لهبّات عفوية غير مسيسة، وأن السيسي وأجهزته يعلمون ذلك جيدا ولذلك الشوارع مغلقة بالمدرعات والأسلحة. وهو ما يمثل تحديا لا يقبله الذين يحكمون بعقلية السيسي لأنه يعرف نتيجته جيدا.
فيعلم السيسي أن حكومته مستمرة في الحكم بقوة السلاح والقمع وبغياب البدائل المنظمة القادرة على إقناع الناس بوجود بديل حقيقي متماسك. وهو ما يعبر عنه الناشط السياسي عمرو مجدي، بتدوينة على حسابه بتويتر: "مظاهرات الأمس قد تنتهي عند ذلك لكن هذه المعادلة مستمرة حتى يتغير أحد معطياتها، وعلى الأرجح: إيجاد البديل. فالسيسي لن يتراجع عن القمع اللامحدود".

بينما يرى الأكاديمى والحقوقى بهى الدين حسين أن مظاهرات 20 سبتمبر، ما هي إلا جرس تحذير، واصفا اياها بـ"هذه شجاعة فائقة أن يخرج مئات/آلاف المصريين للاحتجاج دون حزب أو قيادة، ورغم تأكدهم أن حياتهم قد تكون الثمن بالرصاص في الشارع أو بالإهمال المتعمد في سجن، ورغم تحذير السيسي الصريح منذ أيام باستخدام الجيش "للإبادة":". مضيفا: "هل الفضل لمحمد علي أم السيسي؟ يبدو أن جدار الخوف بدأ يتهاوى.
متابعا: فقد أمم السيسي البرلمان والقضاء والإعلام وكمّم الأحزاب والنقابات والجيش وأحهزة الأمن لحساب فرد، ودفن الدستور والقانون، واستخدم أقسى أساليب القهر الاقتصادي، والقمع بوحشية يخجل منها المحتل. يبدو أن ثمن السكوت على ذلك صار أكبر من التهديد بالإبادة".

وإزاء تلك التقديرات فإن مسألة عودة المصريين إلى ما قبل 20 سبتمبر 2020 باتت صعبة وعصيّة على القبضة الأمنية التي انكسرت بفعل كسر حاجز الخوف الشعبي، بعد أن وجد عالبية المصريين أنفسهم هلكى، أمام سيف الإفقار وارتفاعات الأسعار والضرائب وهدم المنازل وفشل المنظومة التعليمية والصصحية وتكويش العسكر على كل الأعمال والأنشطة في مصر، وهو ما ضاعف أعداد العاطلين عن العمل وزيادة جرائم السرقة والسطو والقتل من أجل لقمة العيش… وله ارتدادات إيجابية إذ إن التغطيات الإعلامية وعرض الفيديوهات من الميادين، سيف قاتل لقمع واستبداد النظام الذي سعى بقوة لتنويم الشعب وإيهامه بفشل التظاهرات التي استمرت إلى ساعات متاخرة وقبيل فجر الاثنين، وهو ما يحتاج إلى كثير من التفعيل للوصول بالتغطية إلى كل شارع في مصر، لكي يُفضح إعلام السيسي الذي غرد كلابه بالأمس ونبحوا كثيرا بأنه لا شيء بالشارع رغم تناقل القنوات العالمية للمشهد الثوري بالأمس.

Facebook Comments