أثبتت ثورات الربيع العربي أن مهمة معظم الجيوش العربية وأجهزة الأمن ليست الدفاع عن الأوطان، وإنما الحفاظ على بقاء الأنظمة، حتى لو تطلب ذلك إبادة الشعوب وتدمير المدن وحرقها، وما يجري من محاكمة الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير لا يشذُّ عن تلك القاعدة بل يسير حذو القذة بالقذة.

وربما نقدم نصيحة لثوار السودان حتى يتأكدوا أنَّ محاكمة “البشير” ليست تاريخية بل مجرد مسرحية، ويجب على الجميع إعادة مشاهدة مسرحية محاكمة مبارك، والتركيز على نهاية تلك المسرحية.

زي أبوكم!

وأصدرت محكمة جنايات الخرطوم، اليوم السبت، حكمًا يقضي بالسجن لمدة عامين على الرئيس السابق “عمر البشير” ومصادرة أمواله، إلى حين اكتمال البلاغات في مواجهته؛ لأن الأخير تجاوز عمره الـ70 سنة ولا يمكن إيداعه السجن، بحسب القانون السوداني.

وبدأت المحكمة الجنائية الخاصة بمحاكمة المخلوع، عمر البشير، اليوم السبت، بجلستها التي من المقرر أن يتم فيها النطق بالحكم في قضايا الفساد المالي المتهم فيها.

وبدأت محاكمة البشير، في 19 أغسطس الماضي، بعد يومين من توقيع اتفاق تاريخي بين المجلس العسكري وقادة الحركة الاحتجاجية لتقاسم السلطة، خلال الفترة الانتقالية، وبعد الإطاحة به نُقل البشير إلى سجن كوبر شديد الحراسة في الخرطوم، حيث كان يحتجز في عهده آلاف السجناء السياسيين فيه.

يقول الناشط فهد الغفيص: “لاحظ كيف يتلاعب الغرب بمشاعر الساذجين كما فعلوا في مسرحية محاكمة المخلوع مبارك والبشير وغيرهم الكثير، لتدرك أن نفسهم طويل جدًّا في إعادة إنتاج الأنظمة ولو بوجوه جديدة تلعب نفس دور أسلافها فتأمّل”.

ولم يقضِ المخلوع حسني مبارك، أو الفرعون كما يلقّبه ملايين المصريين، يومًا واحدًا في أي من السجون المصرية عقب الثورة في 2011، بل كانت إقامته في أقصى درجات الرفاهية طوال فترة محاكمته ما بين المجمع الطبي العالمي ومستشفى المعادي العسكري.m

وكان يتنقّل أثناء المحاكمات في طائرات وتأمينات بلغت كلفتها ملايين الدولارات خلال سنوات مسرحية محاكمته، مما جعل أحد محامي الدفاع عن أسر شهداء الثورة للقول “ليتني كنت قاتلًا حتى أُعامَل مثله”.

مسرحية واحدة!

تطابق مسار محاكمة “البشير” مع ما جرى لـ”مبارك”، دفع أيضًا أحد كبار فقهاء القضاء للتقليل من أهمية الحكم بسجن الأول، وقال إنّه يشبه حكمًا سابقًا كان قد صدر من محكمة النقض في مصر، وقضت فيه بإعادة محاكمة مبارك، بعدما قررت قبول طعن النيابة العامة على قرار محكمة الجنايات، بعدم جواز نظر الدعوى المقامة ضد مبارك، في قضية قتل المتظاهرين في 2011.

ورأى أحد خبراء القانون أن الأمر “لم يكن إلا خدعة للشعب المصري، إذ تكمن حقيقة الأمر في أنّ مبارك بعدما نال البراءة، أراد تجميل وتبييض سمعته، بل ولتصبح صورته بعد 5 سنوات من المحاكمات، شملت مراحل الإدانة ثم البراءة ثم الطعن على البراءة ثم الحكم النهائي بالبراءة، ليكون في النهاية بريئا من كافة اتهامات الفساد وقتل المتظاهرين”.

ويضيف: “في الحقيقة إنّ ما حدث هو أيضا بمثابة محاولة مكشوفة لغسل سمعة القضاء، التي وصلت إلى مستوى الحضيض محليًّا ودوليًّا”.

ويتابع الخبير القانوني: “من أكد براءة المتهم الأصلي في جريمة قتل المتظاهرين، يدرك تماما أن لديه في هذه البراءة السند القانوني، والدليل على براءة مبارك من تهمة الاشتراك في الجريمة”.

وأشار إلى أنّ “ما حدث يؤكد أن القضاء المصري لم يعد بخير، لأنّ خطوط التماس والالتقاء كثرت وتعددت وتشعّبت بين ما هو سياسي، وما هو قانوني”.

Facebook Comments