اعتمد جنرالات انقلاب يوليو 1952 على السينما تحديداً في اختراق عقول المصريين، وإقناعهم أن الهزائم انتصارات وأن الخيانة ذكاء وإلهام وزعامة، وأن العسكر وحدهم هم القادرون على قيادة السفينة المصرية حتى ولو أغرقوها في 56 و67 وكامب ديفيد وانقلاب يونيو 2013، وأن التنازل عن السودان وغزة وسيناء وتيران وصنافير، جزء من عبقرية خداع لا تقل عن عبقرية التسليم والاستسلام للعدو الصهيوني.

وخرجت من أكمام العسكر مئات الأفلام التي تمجد العسكر والجيش، وتدغدغ مشاعر المصريين من أول فيلم “رد قلبي” وليس انتهاء بفيلم “الممر”، واستخدم الصراع العسكري مع إسرائيل منذ عام ١٩٤٨، وحتى انتصار أكتوبر العظيم في ١٩٧٣، لتبرير وجود العسكر في السلطة والتمتع بالثروات والنفوذ، وإجهاض أي فرصة تسمح بتقدم المدنيين إلى حكم مصر.

ويأتي فيلم “الممر” كواحد من تلك السلسلة التي ينتجها جهاز الشئون المعنوية بالجيش، بتكلفة 79 مليون جنيه وغرضه فقط “رفع الروح المعنوية” للشعب، التي قضى عليها انقلاب 30 يونيو 2013، بما لحقه من كشف التعاون الكبير بين جنرال إسرائيل السفيه السيسي، مع العدو الصهيوني.

من أول اعتراف السفيه السيسي بان انقلابه جاء بالتنسيق بين العسكر من جهة وبين تل أبيب وواشنطن والخليج من جهة ثانية، مرورا بالوقوف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتعهد بحماية امن المواطن الإسرائيلي، ثم السماح بالطائرات الصهيونية بقصف المدنيين في سيناء، والتنازل عن سيناء في صفقة القرن، وأخيراً بإرسال طائرات لإطفاء حرائق الغابات لأجل عيون نتنياهو.

رسائل مخفية

الجديد في فيلم “الممر” أن السفيه السيسي قرر أن يحمل الجنرالات الأموات مسئولية الهزيمة في 1967، يقول أحد الجنود في الفيلم: “نحن انهزمنا قبل أن ندخل الحرب” ، وفى مشهد آخر يبدى قائد الكتيبة الرائد -أحمد عز- رفضه تسلم مجموعة من المجندين يرتدون الجلاليب، جاءوا إلى وحدته قبل الحرب بأيام، من دون أي تدريب أو تجهيز أو إعداد.

منح السفيه السيسي صورة أجمل للجندي الصهيوني، بزعم احترام عقول المشاهدين، وشطب الفيلم على الصورة النمطية والتي كانت سائدة في معظم الأفلام التي أنتجتها الشؤون المعنوية، بعد حرب ١٩٧٣، وتظهر الجندي الصهيوني متخلفا، وغير متزن، وأشعث الشعر، وربما تلك الملاحظة التي تؤكد أن الفيلم وان كان ظاهره حكاية انتصار وبطولة للجنود المصريين، إلا أنه في الحقيقة ورشة تعديل للذهنية المصرية لتتقبل في النهاية التعايش مع هذا العدو الذي تحول في زمن السفيه السيسي إلى حليف.

دفعت الشؤون المعنوية بالممثل السوري “إياد نصار”، ليؤدي دور الضابط الإسرائيلي قائد المعسكر الذي يتلذذ بإذلال الأسرى المصريين وهدم روحهم المعنوية وقتل بعضهم، وحتى عندما وقع في الأسر أظهر الشخصية البرجماتية النفعية التي تجيد كل أنواع الخداع، وفى الوقت نفسه، يعرف تاريخ اليهود جيدا، وصراعهم مع المصريين والعرب والمسلمين، وهى رسالة مبطنة للمشاهد بأن الإسرائيلي ليس كما تزن ويحكي لك، وعليك من الآن التعامل معه وفق قاعدة أنه الأكثر مهنية وحرفية منك..ويعرف أكثر.

قطع المسار

حاول الفيلم التغطية على صفقة القرن التي أعلن عنها على لسان السفيه السيسي، والتي بموجبها يتم التنازل عن مساحة كبيرة من سيناء، يجري الآن تجريفها من البشر بالقتل والتهجير القسري، ونجح بصورة كبيرة حينما ركز على معركة محددة في الصراع العربي الإسرائيلي، وهى مهمة تدمير موقع إسرائيلي في قلب سيناء، في حين انه تجاهل معتمداً ربط ذلك ولو بالتلميح للصراع الأكبر وهو احتلال فلسطين.

وركز الفيلم على قطع مسار الصراع المصري عن الفلسطيني، مع العلم أن مصر لم تدخل الحرب ضد إسرائيل إلا دفاعاً وقتها عن القدس وإعلان قيام إسرائيل، وركز الفيلم على حياة ونفسيات أبطاله الضباط والجنود، خصوصا تأثيرات الهزيمة، وكيف أحبطت الجميع من أول كبار القادة الميدانيين إلى أصغر جندي مجند خصوصا نموذج عامر ابن أسوان الذي ترك وحدته يائسا من الهزيمة، وكذلك الجندي الذي رفض النزول من الجبهة، لأنه لا يستطيع أن يواجه والده بعد الهزيمة.

لم يخل الفيلم من مشاهد التلقين المباشر في أكثر من موضوع، وكأنها حصة تربية وطنية أو قومية فى مدرسة ابتدائية، ومن عبقرية صناع الفيلم الغناء المستمر وبصوت مرتفع لأفراد المهمة خلف خطوط العدو، وكأن العدو نائم أو في إجازة ،والمفترض أن يكونوا مدربين جيدا على الإخفاء والتكتم، ولكن رأي صناع الفيلم أن إسرائيل حاليا لا تكترث بغناء او بكاء المصريين، بعد انقلاب السفيه السيسي الذي بات معجزة سماوية كما يصفه حاخامات تل أبيب، وبات التنازل عن الأرض أمرا واقعاً حتى لو حاول فيلم “الممر” التعتيم عليه بالإبهار وسخاء الإنتاج، وفي انتظار دعوة نتيناهو او السفير الصهيوني لمشاهدة الفيلم!

فيسبوك