كتب – جميل نظمي

بدأ عدد من أعضاء الحملة الرافضة لتشغيل مصنع استخلاص البنزين من المازوت "أجريوم القليوبية" بمنطقة مسطرد، في توزيع استمارة لجمع توقيعات من المواطنين من أجل رفض تشغيل المصنع لما يمثله من خطورة على المواطنين والمناطق السكانية.

وقال محمد عاشور -من القائمين على تنفيذ الحملة، في تصريحات صحفية-: إن الحملة بدأت بمنطقة بهتيم، وتلقى استجابة من المواطنين الرافضين لتشغيل المشروع الذي تم العمل به منذ 3 سنوات تقريبا، ولا يقتصر  على الأضرار الصحية فقط ولكن سوف يؤدي إلى تغيير في المناخ والبيئة المحيطة به بالكامل.

الفساد برعاية الدولة!
ويؤكد نشطاء في مجال البيئة، أن "الفساد الذى قامت من أجله الثورة مازال موجودا، على العكس أنه يعمل بكفاءة، لا يهمه سوى المال، البيزنس فقط، لا يهمه صحة الناس، لا يفرق معه إصابة أطفالهم بالربو، وبيئتهم بالتلوث الخطير".

وما يحدث فى "مسطرد"، لا يمكن وصفه سوى بمهزلة ترعاها الحكومة وتتستر عليها لصالح مجموعة من رجال الأعمال، مهزلة، هى فى الحقيقة خيانة للثورة.

فعلى بعد عدة كيلو مترات من الدائرى تقع منطقة "مسطرد"، وهى المنطقة المشهورة  منذ أوائل القرن الماضى بكونها صناعيه لإنتاج وتسويق المواد البترولية والزيوت، حيث تضم شركات القاهرة للبترول ومصر للبترول وشركة النصر لصناعة الزجاج والبلور والشركة  العامة لمنتجات الخزف والصينى، وكل هذه المصانع والشركات تخرج عوادم وأدخنة جعلت أهالى المنطقة وأطفالها يعانون من الأمراض الصدرية المزمنة، و"ما زاد الطين بلة" هو إنشاء مصنع جديد للبتروكيماويات فى قلب الكتلة السكنية مما دفع سكان المنطقه لعمل حملة شعبية لوقف هذا الجرم المزمع ارتكابه فى حق الأجيال القادمة.

ويقول المهندس  سيد ضيف الله – منسق حملة "احمى بلدك" – أن المشكلة بدأت من 2007 عندما وافق وزير البترول الأسبق سامح فهمى على منح بعض المستثمرين الأجانب ومجموعة شركات القلعة للاستثمار التى يرأسها أحمد محمد حسنين هيكل 105 آلاف متر كحق انتفاع بسعر المتر148 جنيها، فى حين أن الحكومه تقوم بتأجيره لشركة القاهرة للبترول بمبلغ 300 جنيه وهو ما يعد فسادا ماليا.

أما بالنسبة للأضرار فالمنطقة تتحمل فوق طاقتها من التلوث بما فيها من مصانع وشركات، والناس تعيش فى مأساة مستمرة من الأمراض الصدرية المزمنة، والسيدات معظم أطفالهن مشوهون ومعاقون، والحقيقة أن السكان هنا من الطبقات الفقيرة والمعدمة ارتضوا السكن فى هذه الأماكن حتى يجدوا مأوى وعملا، والمنطقة لا تضر مسطرد وحدها وإنما يشمل ضررها المطرية وعرب الحصن والخصوص وبعض العزب منها "شلبى والصفيح وأفندينا وعاطف" وكلها أماكن لأناس "أرزقية" يعيشون اليوم بيومه.

ويضيف: بعد الثورة فى 2011 تقدمنا بطلب للمجلس العسكري بوقف بناء هذا المصنع، ورد علينا بأن المصنع أخذ موافقة قبل الثورة ولن يوقف القرار، بعد ذلك قمنا بتشكيل لجنة من معهد الدراسات والبحوث البيئية فى جامعة عين شمس وجاء التقرير بما يدعم وجهة نظر السكان، حيث أكد التقرير أن المشروع يقع على بعد 14 كيلو مترا من ميدان العتبة، و6 كيلو مترات عن القصر الجمهورى بالقبة، ومسافة 3 كيلو مترات عن مستشفى المطرية التعليمى، و3 كيلو مترات عن مستشفى حميات بهتيم، وأنه يجاور مجمع مدارس للتعليم قبل الجامعى فى منطقة الخصوص التى يبلغ عدد سكانها 1.2 مليون نسمة.

والتقرير المقدم من الشركة المصرية للتكرير- وهى الشركة المزمع إنشاؤها – قد خالف الحقيقة والدقة فى عرضه للمشروع على الجهات المختصة بالموافقة؛ حيث ذكر أن المناطق المجاورة عشوائية وهذا مخالف للحقيقة، حيث يوجد بها مرافق، وأغفل العرض المقدم من الشركة الأثر الذى سوف يعود على ترعة الإسماعيلية، كمصدر للصيد والقضاء على الثروة السمكية وتعرض الترعة للجفاف بعد أن ظهرت النية لسحب مياه التبريد بمعدل 6200 متر مكعب فى الساعة وهذا ما يسمى بالصناعة السوداء والمنطقة لاتتحمل أكثر من السواد الذى تعيش فيه.

الأمر لم يقف عند الحملات الشعبية فقد قام عمال الشركات الأخرى بعمل اعتصامات وإضراب عن العمل رافضين أن يتم مشروع "الشركة المصرية للتكرير".

وذكر أحد العاملين -رفض ذكر اسمه- مخالفات وتواطؤا من قبل رئيس شركة القاهرة للبترول قائلاً: العقد يقول إن الشركة المصرية للتكرير أجرت أرضا غير مستخدمة لكن الحقيقة أنها سطت على أرض الشركات الأخرى بأن قامت بهدم مساكن العمال المغتربين وهدم الورش الخاصة بشركة القاهرة للبترول، وهى تضم 5 شركات: القاهرة للبترول، ومصر للبترول، والجمعية التعاونية، وبتروجاس، والخزف والصينى، حيث قامت الشركة بالتبرع لشركة القاهرة للبترول المتمثلة فى رئيس مجلس الإدارة بمبلغ 10 ملايين جنيه فقامت الشركة بشراء أتوبيسات للعمال حتى يتم إسكاتهم عن الإضراب وكتبت على الأتوبيس "تبرع من صندوق الزمالة".

ثم بدأ المستثمرون يتاجرون بالفقراء والبسطاء بعمل "الكرتونة" التى تحتوى على الزيت والسكر لجمع توقيعات منهم للموافقة على إقامة المشروع ثم بدءوا يتاجرون بالدين فأنشاوا المعهد الدينى فى عرب الحصن ومدرسة ومسجدا، وفى كل مناسبة دينية يقيمون حفلات يوزعون فيها الهدايا والجوائز على الفقراء  ويجمعون التوقيعات بالموافقة ويصورون هذا التجمع على أنه تأييد لمشروعهم الذى يحمل السرطان والأمراض المزمنة لأجيال سوف تتوارث هذا المشروع الملعون، لكن العجيب هو الفساد من قبل الدولة فى السابق والإصرار عليه حتى الآن فقد أعطت هيئة البترول موافقة للشركة المصرية للتكرير – محل المشكلة – موافقة على قرض من البنك بفوائد بسيطة بضمان الأرض المؤجرة ويحق للمؤجر بيع الشركة لأى طرف آخر دون الرجوع لهيئة البترول ولا توجد قروض للأرض المؤجرة لكن ما نعرفه أن هناك عقدا سريا بين هيئة البترول والشركة المصرية للتكرير ليزداد الفقير مرضا والمستثمر مليارات.

مخاطر السرطان
الوضع ينذر بالخطر فى حال تنفيذ المشروع حيث لن يقتصر الأمر على الأضرار الصحية فقط ولكن سوف يؤدى إلى تغيير فى المناخ والبيئة وهذا ما أكده الكيميائى عبد الله قناوى أحد سكان منطقة مسطرد، حيث أعد دراسة حذر فيها من الأخطار البيئية التى سوف تنجم عن هذا المشروع كشف فيها أن الصرف فى ترعة الإسماعيلية أو عن طريق الصرف الصحى سوف يؤثر على محطات الشرب بسبب تصاعد الغازات السامة  من الأفران، ناهيك عن العزب ومنطقة عرب الحصن التى تستخدم المياه الجوفية فى الشرب من "الطلمبات".

نأتى لعملية التبريد حيث لم يوضحها فى عرض تقريره للبيئة في كونه سوف يستخدم ترعة الإسماعيلية فى التبريد أى أن الترعة سوف تجف من قوة شفط المياه لأنه أغفل فى عرضه استخدامه لدائرة مغلقة فى التبريد وليس أمامه إلا ترعة الإسماعيلية، والمصنع أخطر من مصنع أجريوم دمياط لأن دمياط كان للتكرير، أما "مسطرد" فهو تكسير هيدروجينى – بمعنى أن خام  البترول بعد فصله يتبقى خام الأسفلت الذى يستخرج منه الكيروسين وهو "الجاز" الذى يحتاج إلى مراحل التكسير الحرارى، وهذه المرحلة هى التى ينتج عنها انبعاثات وغازات من أجهزة التسخين، المنطقة الزراعية المحيطة مهددة بالتصحر وهى منطقة زراعية تقوم على زراعة الخضر والفاكهة والأمطار التى سوف تسقط على هذه المنطقة سوف تتحول لأمطار حمضية لأنها سوف تأخذ فى طريقها وهى تسقط الغازات المنبعثة فتؤثر على الأرض وتغير من طبيعة المنطقة الجغرافية.

وجامعة عين شمس أعطت فى تقريرها توجيهات وشروطا لإقامة المصنع منها على سبيل المثال زراعة أشجار خشبية بطول المداخن حتى تمتص الدخان والغاز المتصاعد مما يدل على أن مثل هذه المشروعات لا تتم إلا فى الغابات والمدهش أن الشركة لم تلتزم بأى من الشروط وضربت بتقرير جامعة عين شمس الحائط، وجهاز البيئة وضع شروطا كلها على الورق، ولم يكلف نفسه عناء المتابعة فى التنفيذ ووضع الأهالى والمجتمع المدنى فى صدام مع أباطرة البيزنس فى محاولة من الطرفين للمراهنة على كسب الوقت.

ويضيف قناوى: البيئة تقول لنا يمكنكم التقدم بشكوى بعد أن يعمل المصنع فى حال مخالفته للشروط وسوف نصرف لكم التعويضات، والمريض الذى يصاب الدوله ستتكفل بعلاجه على نفقتها!!!

2 مليون قليوبي بلا صحة
ويواجه نحو 2 مليون من أهالي القليوبية الموت تلوثا يوميا، حيث تنشر مصانع الموت سمومها، وتلوث الجو والبر والبحر، والخاسر الأكبر هم الغلابة الذين يصابون بأمراض الصدر والسرطان، لأن هذه المصانع تقتحم الكتلة السكنية.

ووفقًا للتقارير الحكومية، خاصة الصادرة عن وزارة البيئة، فإن هذه المصانع تسببت فى إصابة أكثر من 2 مليون نسمة بمعدل 42% من سكان القليوبية بالأمراض المختلفة، بينما تقف الحكومة عاجزة عن التحرك لإنقاذ هؤلاء، متجاهلة الكثير من التظاهرات والوقفات الاحتجاجية التى خرجت إلى شوارع المحافظة يشارك فيها الآلاف من سكان مناطق مسطرد، والخصوص، وشبرا، والخانكة، وأبوزعبل.

وكان المركز القومى للبحوث أوصى أصحاب المصانع بالخروج من الكتلة السكنية والانتقال إلى الصحراء، لأن الحمل البيئى لمدن القليوبية، خاصة شبرا الخيمة، لم يعد يتحمل أى تلوث، خاصة بعد تلوث مياه ترعة الإسماعيلية بسبب شركة البترول التى تلقى مخلفاتها الصناعية مباشرة فيها دون أى معالجة.

ويُعتبر مصنع «أسمدة أبوزعبل»، فى مركز الخانكة، أحد مصادر المرض والموت لأهالى عزب «أبوزعبل» و«مراد» و«شكرى»، الذين يتخطى عددهم نحو 25 ألف نسمة، فمنذ بناء المصنع وغازاته السامة وأدخنته الضارة تأكل الأخضر واليابس، حتى صار الموت يطارد أبناء المنطقة فى كل لحظة، بعدما تحولوا إلى فريسة سهلة للأمراض الوبائية والمزمنة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الحقول الزراعية فى المنطقة المحيطة بالمصنع مهددة بالتبوير لإجبار المزارعين على بيعها.

أبناء هذه المنطقة يعيشون مأساة كبرى، بعدما تلوثت الحقول الزراعية واكتست باللون الأصفر الكثيف، كما أن مزارع الدواجن، التى كانت فى الماضى تعمل بكامل طاقتها وميزت المحافظة بسمعة طيبة على مستوى الإنتاج الداجنى، توقفت تماماً بعد نفوق دواجنها بسبب المواد السامة لتتحول إلى خرابات مهجورة.

وأكد الأهالى أنهم نظموا الكثير من الوقفات الاحتجاجية، آخرها الأسبوع الماضى، بعد تعرض المئات للاختناق بسبب تسرب الغاز من المصنع، كما أرسلوا عدة شكاوى للمسئولين فى البيئة بمحافظة القليوبية لاتخاذ الإجراءات القانونية حفاظاً على صحة المواطنين، لكن دون جدوى.

ويهدد انتقال صرف المصانع إلى باطن الأرض، بالإضافة إلى انتشار الأمراض الصدرية الناتجة عن عوادم وأدخنة المصانع في مسطرد،  مياه ترعة الإسماعيلية، التى يعتمد عليها الأهالى فى رى الأراضى، والتي تلوثت بسبب مصنع «الشبة»، الذى يصرف الكبريت فى الترعة، ما نتج عنه تدمير ما لا يقل عن 1360 فداناً زراعياً.

كما أن الغبار الكيماوى الناتج عن المصانع يشكل سحابة ترابية تغطى القرية والقرى المجاورة، وتعدم الرؤية تماماً فى فترة المساء، فيكاد الفرد لا يرى أمامه..

كما تُعتبر مدينة شبرا الخيمة إحدى المدن التى تعانى من التلوث، حيث يوجد مصنع «المسابك»، الذى تنبعث منه السوائل المتمثلة فى الصرف الصناعى المحمل بالكيمياويات التى تتوقف درجة جودتها على حسب نسبة الرصاص الموجودة فيها‏، والرصاص المذاب فى الماء يصب فى مصارف الصرف الصحى، وتتم معالجة هذا الماء فيما بعد لكى تزرع به الخضراوات والفاكهة فى شبرا الخيمة‏.

وأيضًا مصنع «النشا والجلوكوز» بحى شرق شبرا الخيمة يتسبب فى تهديد صحة المواطنين نتيجة الانبعاثات السامة التى تخرج منه يومياً فى غياب تام من المسئولين، ورغم تحرير عدة مخالفات بيئية للمصنع فإنه ما زال يعمل ويُخرج سمومه للمواطنين. ويُعتبر مصنع «تكرير المازوت» فى مسطرد سبباً رئيسياً فى تلوث ترعة الإسماعيلية، بسبب إلقاء مخلفاته فيها مباشرة دون أى معالجة، بالإضافة إلى الخطر الداهم الذى يحيط بالمواطنين بسبب المواد التى تُخرجها شركات البترول أثناء التكرير.

وأيضًا مصنع «الدلتا للصلب»، وهو أحد أقدم مصانع الحديد والصلب الحكومية فى مصر، حيث يتجاوز عمره 50 عامًا، ومنذ إنشائه لم يشهد تطويرًا، فالأدخنة والنيران التى تخرج منه تملأ سماء القليوبية والقاهرة بشكل يومى، بسبب عدم وجود فلاتر تمتص الأدخنة والغازات السامة الناتجة عن إعادة تصنيع الحديد مرة أخرى، والمداخن التى تعلو أفران الصلب تظل تُخرج سمومها فى سماء المنطقة لتصيب السكان بكوارث صحية.

Facebook Comments