لا تتوقف الكنيسة المصرية عن ممارسة الابتزاز واستغلال ضعف السلطة لتحقيق المزيد من المكاسب الطائفية دون أي مراعاة لصورة الأقلية كجزء من نسيج المجتمع المصري؛ ففي تصريحات غريبة زعم بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الأنبا تواضروس أن عدد الأقباط المسيحيين في مصر يبلغ 15 مليون نسمة بالداخل ومليونين يعيشون في المهجر، أي 17% تقريبا من سكان مصر، بالمخالفة لكل التعدادات السكانية التي أجريت منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى الآن والتي تؤكد أن نسبة كل الطوائف المسيحية في حدود 6% أي لا تزيد عن 6 ملايين من مائة مليون مصري.

هذا الإصرار المريب على تضخيم عدد أتباع الكنيسة والمبالغة في تكرار هذه الأرقام المضللة يفضح النوايا الطائفية في المطالبة بنظام المحاصصة على حساب المواطنة، ووضع بنية أساسية لتقسيم الدولة المصرية على أساس طائفي، وهو تخطيط خارجي يخالف ما هو مستقر في مصر، ويفتح الباب إلى التدخل الخارجي الذي يتحرك بتوجيه صهيوني.

من الواضح أن المواقف المتطرفة لقيادة الكنيسة تهدف إلى الضغط على السلطة، والاستفادة من الواقع الانهزامي والسيطرة الغربية والصهيونية للحصول على مكاسب أكثر، استغلالا للحظة الراهنة وتصوير الكتلة الشعبية والتصويتية للأقلية بأنها تصل إلى نسبة مؤثرة، خاصة في ظل غياب التيارات السياسية والإعلام المستقل عن السلطة الذي كان يقف ضد مثل هذا الخروج عن الثوابت الوطنية.

اللافت أن هذه الحملة لتضخيم عدد الأقباط وتزييف الواقع بدأت منذ أيام البابا شنودة الذي زعم أن العدد يصل إلى 12 مليونا، وقد تجاوبت معها الموسوعات وبنوك المعلومات الغربية التي كانت تعتمد رقم الـ 6 %، حتى عام 2006 عندما نشر الكتاب السنوي الذي تصدره المخابرات المركزية الأمريكية “Fact Book” أن نسبة الأقلية المسيحية في مصر 10% دون أي إشارة إلى أسباب هذه القفزة غير المنطقية!

بعد كتاب المخابرات الأمريكية قامت الموسوعات الغربية الشهيرة مثل الموسوعة البريطانية، وموقع ويكيبيديا الشهير بتغيير النسبة لتثبيت الرقم الجديد 10% لتكبير حجم الأقلية والتهيئة بالمعلومات لفرض نظام المحاصصة الطائفية وجعل الموضوع مادة للتفاوض، وإخراجه من النطاق المحلي إلى موائد القوى الدولية الكاثوليكية والبروتستانتية، التي ثبت تاريخيا أنه لا يهمها مصلحة الأرثوذكس المصريين.

نسبة الأقباط منذ القرن الـ18

كل كتب المستشرقين الغربيين والمبعوثين الأجانب الذين جاءوا إلى مصر منذ الحملة الفرنسية عام 1798 وفي عهد محمد على ثم في ظل الاحتلال الإنجليزي دونوا في كتبهم وتقاريرهم أن الأقباط الأرثوذكس أقلية ضئيلة، وفي كل التعدادات التي أجريت تحت إشراف الانجليز كانت نسبتهم تدور حول نسبة الـ 6%.

يقول جمال حمدان في كتابه “شخصية مصر” الذي تضمن إحصاءات وافية في الموضوع أن الأقلية القبطية في مصر ثابتة تقريبا كما كانت محدودة الحجم عموما، أقلية ضئيلة إن صح التعبير؛ ففي أيام الحملة الفرنسية أي في أواخر القرن الثامن عشر قدر عددها بنحو 150 ألفا من مجموع السكان البالغ حينئذ نحو مليونين ونصف المليون، بما يعادل 6% بالتقريب.

وقد استند جمال حمدان في عددهم الحقيقي أثناء الحملة الفرنسية إلى كتاب شارل عيسوي وهو أرثوذكسي من أصل يوناني والذي أشار في كتابه: Egypt: An economic and social analysis إلى التراجع المستمر في عدد الأقباط بسبب اعتناق الدين الإسلامي والانضمام إلى الكنائس الأخرى.

أيضا معلومات مهمة كشفها المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين الذي زار مصر في عام 1825 ومكث بها 3 سنوات ثم جاء مرة أخرى 1833 وعاش بها لمدة عامين ثم أصدر كتابه الذي اعتمد عليه الإنجليز في هذه الفترة لمعرفة كل شيء عن المجتمع المصري بعنوان: The manners & customs of the modern Egyptians والذي يتكون من 630 صفحة ويتناول كل شيء في مصر منها الإحصاء السكاني وعدد التابعين للطوائف المختلفة.

كتب إدوارد وليم لين أن عدد المسيحيين المصريين (الأقباط) في هذا الوقت يبلغ 150 ألف نسمة من عدد سكان مصر، وقال إن عدد المسلمين المصريين من أهل الريف والمدن بلغ مليونا و750 ألفا، العثمانيون الأتراك 10 آلاف، السوريون والشوام 5 آلاف، اليهود 5 آلاف، الأرمن ألفان، والعرب البدو وأهل النوبة والعبيد الزنوج والعبيد البيض أو المماليك والجواري والفرنجة يبلغ عددهم 70 ألفا.

وقد أشار إدوارد لين إلى تناقص عدد الأقباط في الريف والصعيد بسبب اعتناق الإسلام وأرجع هذا إلى إهمال البطريركية وعدم الاهتمام برعاياها، وقد نشر أكمل الدين أوغلي في كتاب “الأتراك في مصر” ملخصا للأرقام التي نشرها أدوارد وليم، وإحصاءات أخرى نشرها الفرنسي ريميه أرميدي عن إحصاء تقريبي في السنوات الأولى لحكم محمد على جاء فيه أن مجموع عدد السكان كان 2,893,500 نسمة، منهم 2,600,000 مصريون مسلمون، و150 ألفا مصريون أقباط و12 ألفا أتراك عثمانيون، وخمسة آلاف مماليك ورقيق أبيض.

أيضا المستشرق الفرنسي جورج دووين الذي ألف عدة كتب اعتمد عليها الفرنسيون في معرفة المجتمع المصري أصدر دراسة مهمة بعنوان: La Mission du baron de Boislecomte:l’Egypte et la Syrie en 1833 تضمنت إحصاءات تقديرية للسكان في عام 1833 قال فيها أن مجموع سكان مصر يصل إلى 3 ملايين نسمة، ويبلغ عدد المسيحيين الأقباط 160 ألف نسمة، بينما بلغ عدد المصريين المسلمين مليونين و500 ألف نسمة، ويتراوح عدد الأتراك بين 20 و30 ألف نسمة، والمماليك 4 و5 آلاف نسمة، قبائل بدوية 206 آلاف، نوبيون وبربر 30 ألفا، زنوج 20 ألفا، روم 10 آلاف، أرمن 20 ألفا، يهود 4 آلاف.

إحصاءات الاحتلال الإنجليزي

وبعد دخول الإنجليز مصر بدأت السلطات المصرية الخاضعة للاحتلال الإنجليزي إجراء التعداد السكاني كل 10 سنوات منذ عام 1897 وكانت مصلحة المساحة التي يشرف عليها الإنجليز تقوم بالتعداد، فكانت الأرقام الخاصة بإجمالي الطوائف المسيحية تتراوح بين 6%و 8,3% ، ففي عام 1897 بلغ عدد الطوائف النصرانية بكل مذاهبها وجنسياتها 6,3%، وفي عام 1907 بلغت النسبة 7,87%، وفي عام 1917 ارتفعت إلى 8,06%، وفي عام 1927 بلغت 8,3%، وفي عام 1937 بلغت 8,19%، وفي عام 1947 بلغت 7,9% ( كتاب المستشار طارق البشري: الدولة والكنيسة).

فسر المستشار طارق البشري ارتفاع نسبة الطوائف المسيحية في التعدادين عامي 1917 و1927 بتدفق الطوائف الأوربية إلى مصر في ظل الاحتلال الإنجليزي، وقد انخفضت هذه النسبة بعد عام 1952 حيث خرجت الطوائف الأجنبية من البلاد بسبب تصاعد حالة العداء الشعبي، خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وإذا أخذنا تعداد 1907 كنموذج موثق سنعرف الحقيقة بكل حياد وموضوعية، فقد أورد نتيجته السوري المسيحي نعوم شقير في كتابه “تاريخ سيناء القديم والحديث” وكان في هذا الوقت يشغل منصب نائب رئيس المخابرات المصرية التي يديرها الإنجليز، وكان ضابطا في الجيش الإنجليزي يعمل تحت قيادة القائد العسكري البريطاني ريجنالد وينجيت، وتضمن الكتاب فصلا عن مصر وتاريخها، جاء فيه أن ” سكان مصر مزيج من أقباط ونصارى، وعرب مسلمين، وعرب بادية، وأتراك مسلمين، وسوريين نصارى ومسلمين ويهود، وإفرنج نصارى يونانيين وطليان وإنجليز وفرنساويين ونمساويين والمان وروسيين وبلجيكيين وغيرهم”.

ذكر نعوم شقير الأرقام الدقيقة فأشار إلى أن “في التعداد الرسمي الأخير سنة 1907 بلغ عدد سكان مصر 11,287,359 نفسا منهم 10,269,445 مسلمون ربما كان ثلثاهم من أصل قبطي والثلث الباقي من أصل عربي، بينهم 27,591 من أتراك عثمانيين وأعجام وغيرهم. ومن بين 706,322 أقباط نصارى يوجد منهم 14,576 كاثوليك و24,710 بروتستانت والباقون أرثوذكس. ويبلغ عدد النصارى السوريين والإفرنج من جميع الأجناس وأكثرهم يونانيون وطليان 175,370 نفسا، ويبلغ عدد اليهود 38,635 ، والديانات الأخرى 97,587 نفسا، ويبلغ عدد أفراد قبائل البدو 635 ألفا منهم 97,380 قدروا تقديرا وهم قبائل شتى، وكلهم مسلمون وينتسبون إلى عرب الحجاز”.

ومن المراجع المهمة في هذا الصدد تقرير السير ألدون جورست الحاكم البريطاني لمصر بعد اللورد كرومر الذي كتبه في عام 1911 وكان منحازا للأقباط المصريين فهو الذي عين بطرس غالي رئيسا للوزارة وزاد من تعيين الأقلية في المناصب العليا للدولة. جاء التقرير في كتاب Power and Passion in Egypt : A Life of Sir Eldon Gorst الذي يتناول سيرته ويتضمن التقارير والوثائق التي كتبها قال فيه أن عدد الأقباط يبلغ نحو 700 ألف نسمة فقط من مجموع السكان الذي يصل الى 11 مليون نسمة، ( أرقام أخرى ذكرها محمد مورو في كتاب: يا أقباط مصر انتبهوا).

الإحصاءات بعد عام 1952

بعد عام 1952 لم يحدث عامل جديد يغير نسبة المسيحيين بالزيادة، بل الذي حدث خلاف ذلك، حيث خرجت نسبة كبيرة من الطوائف الأوربية واليهود، كما حدثت هجرة معاكسة من الأقباط الأرثوذكس إلى أمريكا وكندا، أي أن نسبة الأقلية تراجعت أو ثبتت على ما هي عليه على الأقل.

وفي أول إحصاء تجريبي في عام 1960 ظهر أن إجمالي الطوائف المسيحية كان 7,3%، وفي التعداد التالي الذي أجري عام 1966 كانت النسبة 6,7%، وبعد 10 سنوات بلغت النسبة في تعداد 1976 نحو 6,24%، ثم بنسبة 5,7% عام 1986، ثم امتنعت الحكومة عن اعلان النسبة في التعدادين التاليين لعامي 1996 و2006 بعد الحملة التي شنها أقباط المهجر على الرئيس الأسبق حسني مبارك.

عندما أعلن اللواء أبو بكر الجندي رئيس الجهاز المركزي للإحصاء السابق في عام 2012 أن عدد الأقباط المسيحيين 5 ملايين و130 ألف نسمة تعرض لانتقادات من قيادة الكنيسة، فاضطر تحت الضغط إلى الامتناع عن أعلان نتيجة التعداد في 2016 وبرر ذلك بالالتزام بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة بعدم التطرق إلى خانة الديانة في استمارات الإحصاء!

كل ما سبق يؤكد أن مزاعم قيادة الكنيسة التي تتطابق الآن مع مزاعم أقباط المهجر المتطرفين الذين يطالبون بالانفصال وإقامة دولة قبطية ليس لها أصل، وليست صحيحة، وبالتالي فإن واجب الدولة أن تظهر نتيجة التعداد حتى لا تفتح الباب للمتطرفين لإقناع الرأي العام المحلي والدولي بأرقام زائفة ومعلومات مغلوطة سيترتب عليها مطالب طائفية تثير الفتن وتعمق من انشقاق المجتمع.

المصارحة مطلوبة لوأد الفتنة، والامتناع عن نشر الإحصاء الرسمي يجعل الأكاذيب حقيقة، ويفتح شهية النزعة الطائفية للمطالبة بالمزيد. وبالتأكيد لا أحد في مصر ضد هضم حقوق الأقلية لكن لا أحد يوافق على أن تتغول الأقلية وتتعملق على خلاف الحقيقة وضد الواقع على الأرض، وتريد أن تفرض نفسها على الأغلبية وتملي شروطها اللا معقولة.

وتبقى التجربة المكررة وهي أن الأقليات تتمرد في أوقات ضعف الدول وعلو الهيمنة الخارجية، لكن دروس التاريخ تكشف أن هذه الأقليات هي أول من يعاني مع تغير الأوضاع، وتدفع ثمن أطماعها، والدرس الأقرب في الحالة المصرية هو ما حدث للمعلم يعقوب الخائن الذي تحالف مع الحملة الفرنسية ضد المصريين المسلمين ولكنه دفع هو ومن ساروا خلفه ثمن الخيانة، وهذا ما استفاد منه الأقباط بعد الاحتلال الإنجليزي حيث انحاز قطاع كبير منهم للحركة الوطنية وحافظوا على تماسك المجتمع المصري ضد المحتل الأجنبي، فاحتضنهم الشعب واحترم رموزهم الوطنية.

الحكيم من يتعظ من التاريخ ولكن قصير النظر هو الذي يعميه الطمع ويحرق المراكب.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments