لم يعد السيسي ونظامه العسكري يستمعون لصوت العقل في كافة المشكلات والأزمات التي يفجرونها شمالا ويمينا، بسبب أسلوب إدارتهم القمعي، وهو ما جعل الصدام والاعتراض الخشن والمقاطعة والضغوط تؤتي ثمارها، وهو ما ترجمه قرار وزارة البيئة بحكومة الانقلاب الصادر قبل أيام، حيث تراجعت الوزارة عن زيادة رسوم سياحة المحميات والذي كانت أقرته مؤخرا.
وخفضت الوزارة الانقلابية رسوم ممارسة النشاط داخل المحميات الطبيعية إلى 100 جنيه للفرد، نهاية الأسبوع الماضي، بعد نحو أسبوعين من فرضها رسوم، تصل إلى 12 ألف جنيه في محميات جنوب سيناء والبحر الأحمر، و 8 آلاف جنيه في المحميات الأخرى، على المجموعات (متوسط 20 فردًا) لممارسة أي نشاط داخل المحميات.

30 محمية

وكان بعض منظمي الرحلات البيئية اعترضوا على قرار الوزارة المفاجئ، والذي رفع أسعار الرحلات البيئية عشرات أضعاف، وقرروا تعليق الرحلات لأجل غير مسمى. وهو ما يبدو أنه أتى ثماره. ويبلغ إجمالي عدد المحميات الطبيعية فى مصر 30 محمية، إلا أن 13 منها فقط مفتوحة للزيارة بالفعل، أغلبها في محافظة جنوب سيناء، ويتوزع الباقي بين المحافظات.

وقد زار هذه المحميات خلال عام 2017 قرابة 802 ألف زائر. وبينما حظيت محميات الفيوم وجنوب سيناء بأغلب الزيارات، استقبلت محميات القاهرة نحو 77 ألف زائر خلال نفس الفترة، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. وقبل هذا العام، لم تشهد الإحصاءات أي تسجيل ﻷعداد زوار المحميات.

وازدهرت رحلات التخييم للمحميات الطبيعية مؤخرًا، بعد أن كانت قاصرة على المتخصصين في دراسة الجيولوجيا، بفضل انتشار صور الرحلات العلمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حسبما قالت نرمين سامي، إحدى منظمي الرحلات البيئية في تصريحات صحفية. ولاقت المحميات اهتمام غير المتخصصين الباحثين عن الهدوء والطبيعة التي بددتها ضوضاء المدينة، وزاد إقبالهم على هذا النوع من الرحلات الذي يوفر الترفيه بجانب المعرفة، يمارسون خلالها أنشطة تناسب طبيعة المكان مثل تسلق الجبال ومراقبة الفلك، والتخييم في الصحراء، ويرافقهم متخصصون في الجيولوجيا لشرح التكوينات الصخرية والرسوبية، وأحيانًا الحفريات، في رحلات من يوم أو اثنين يقابلون فيها النجوم واضحة لأول مرة، ويتعرفون على أسمائها ومواضعها، بفضل المتخصصين المرافقين لهم.
وكان هذا بمقابل مادي بسيط حددته وزارة البيئة بمبلغ خمسة جنيهات لتذكرة الدخول للمحمية، وخمسين جنيهًا للتخيم للفرد، ما سهل على المهتمين الزيارة السريعة في نهاية الأسبوع بشكل دوري.

خلاف مع المستثمرين

الخلاف بين الوزارة ومنظمي الرحلات يكمن في تحديد هدف الزيارة. يقسم منظمو الرحلات زوار المحميات إلى ثلاث فئات: رحلات ترفيهية نهارية تكون زيارة المحمية بها جزء من جدول كامل، رحلات علمية للمتخصصين للعمل أو الدراسة، ورحلات تجمع بين الاثنين، وهي ما تعرف بالسياحة البيئية العلمية، بحسب نرمين سامي، التي تنظم هذه الرحلات منذ عام 2009. وازداد الإقبال على النوع الأخير من الرحلات، من مجموعات صغيرة من عشرين إلى خمسين شخصًا شهريًا، لتصل إلى رحلات أسبوعية بمجموعات صغيرة.

ويجادل منظمو الرحلات أنهم ليسوا شركات سياحية، بل جمعيات تحاول تبسيط العلوم، وتأخذ هامش ربح لا يتجاوز 40 جنيهًا للفرد. يقول منظمو الرحلات إن متوسط عدد الأفراد في الرحلة الواحدة 20 شخصًا، يشاركون في تحمل تكلفة أتوبيس أو سيارات لنقلهم داخل الصحراء برفقة مرشدين متخصصين. يتم هذا بسعر التكلفة الحقيقي، حيث تملأ جمعيات السياحة البيئية الفراغ الذي خلفه قلة اهتمام الدولة بالمحميات الطبيعية، وتركيز شركات السياحة على المناطق الساحلية الصاخبة.

ومع التراجع الاخير لوزارة البيئة، يمكن تعميم فكرة تعليق الأنشطة التي تريد الدولة زيادة رسومها أو تكاليفها، كطريق للعصيان المدني، الذي سيجبر الحكومة على التراجع أمام الجماهير.

Facebook Comments