"من الآن فصاعدًا سنجد يهودًا في ثياب مسلمين، اليهودي الوظيفي، مسلم يصلي معنا العشاء في المسجد لكنه يقوم بنفس الدور الذي يقوم به الجنرال اليهودي، وعليه يجب تحليل تلك الظاهرة حتى لا يتحول كثير منا إلى يهود دون أن يدروا"، هكذا تنبأ المفكر والأكاديمي الراحل عبد الوهاب المسيري بما ستؤول إليه العلاقة بين العرب و"إسرائيل" قبل عشرات السنين.

وفي ظل تلك الهرولة التي يشهدها عالمنا العربي نحو الارتماء في أحضان اليهود والمتجسدة في اتفاقي الإمارات والبحرين فإن تسليط الضوء على تلك التحذيرات القديمة للمفكرين العرب التي لم يؤخذ بها للأسف وأوصلت الأمة إلى ما هي عليه الآن، بات من الضرورة بمكان، لإنقاذ ما تبقى من عقد العرب المنفرط على أيدي اليهود العرب.
وأسهمت كتابات المسيري ونظرياته في وضع العديد من النظم العربية في حرج شديد، وذلك لما كشفه من غياب الإرادة حيال مقاومة الصهيونية واستمراء الوضع الراهن تحقيقًا لأهداف وأجندات خاصة.
 

الصهيونية أداة بيد الغرب

ومن أبرز المخرجات التي خرج بها "المسيري" في رحلته داخل العقل المجتمعي والسياسي اليهودي أن الدولة الصهيونية في حقيقتها مجرد أداة في يد الغرب، لا قيمة لها في حد ذاتها، غير أن قيمتها المدعاة مستمدة في الدور أو الوظيفة التي تقوم بها، أي حماية المصالح الغربية في العالم العربي، وهي الزاوية التي يجب على العرب الالتفات إليها خلال مشروع المقاومة الشاملة ضد هذا الكيان المغتصب، لا سيما أنهم يرتمون كثيرًا في أحضان الغرب كمخلص لهم من تلك المعضلة، محولين إياه إلى خصم وحكم في نفس الوقت، وهي قمة السذاجة السياسية بعينها، وفق الباحثة رندة عطية.

واليوم وصل اليهود العرب الى واشنطن لتوقيع الاتفاق العار، بين البحرين والامارات والصهاينة. حيث وصلت الوفود الإسرائيلية والإماراتية والبحرينية إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، استعدادا للتوقيع على اتفاق لتطبيع العلاقات بين المنامة وأبو ظبي من جانب، وتل أبيب من جانب آخر. ويستضيف البيت الأبيض بواشنطن، الثلاثاء، مراسم توقيع اتفاقيتي التطبيع، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو.

وقال رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، الأحد، إنّ "اتفاقيتي السلام اللتين سيوقعهما مع الإمارات والبحرين في واشنطن ستضخان المليارات إلى اقتصاد إسرائيل". جاء ذلك في تصريحات صحفية أدلى بها نتنياهو قبيل ركوبه الطائرة التي أقلعت من مدينة تل أبيب إلى واشنطن، لحضور مراسم توقيع اتفاقيتي التطبيع مع الإمارات والبحرين. مضيفا: "أسافر لتحقيق السلام مقابل السلام وتوصلنا إلى اتفاقيتي سلام خلال شهر واحد فقط، هذا هو عصر جديد".

هل التطبيع مكسب؟

وهو ما يعني أن العرب وقضاياهم لم تستفد شيئا سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي بمجمله؛ إلا أن عراب التطبيع الأول عبد الفتاح السيسي، يرى أن أي اتفاق سلام مع إسرائيل هو مكسب استراتيجي، وهو ما يراه خبراء يتوافق مع الهدف الاكبر الذي جاء من أجله السيسي.
وهو نفس ما حذر منه المفكر الموسوعي عبد الوهاب المسيري من أن التقسيم الذي حاربت لأجله "إسرائيل" سيجعل منها دولة طبيعية قوية مغروسة في الجسد العربي المهلهل بالتقسيم فيما بين حدوده من خلال بث الخلافات وروح الكراهية والعداءات المفتعلة، وشيئًا فشيئًا يصبح الكيان الصهيوني ليس مجرد دولة في المنطقة بل القائد الفعلي لها مع مرور الوقت.وهو ما يحدث بالفعل الآن.

وباتت البحرين الدولة العربية الرابعة في الشرق الأوسط، بعد مصر والأردن والإمارات، التي تعترف بـ"دولة" الكيان الصهيوني منذ تأسيسها عام 1948، فيما تُدار الأعناق في الوقت الراهن إلى السعودية، إذ تُظهر الإشارات السياسية والاجتماعية بشكل جلي أن الرياض سوف تسير على خطى أبو ظبي والبحرين في إقامة علاقات شاملة مع الكيان. رغم التحاق البحرين رسميًا بالإمارات وإعلان عمان دعمها الكامل لهذه الخطوة، إلاّ أنّ أبو ظبي والمنامة لن تكونا آخر عاصمتين خليجيتين تنخرطان في ترسيم العلاقات مع تل أبيب والقائمة من قبل بشكل سرّي، فالسعودية وإن ربط حكامها كما جاء على لسان وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، التطبيع مع الكيان الصهيوني بـ”مبادرات السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية”، ستكون موضع جهد أمريكي خاص (زيارات واتصالات) لإقناعها بإقامة علاقات طبيعية مع الاحتلال، وهو ما سيقوم به كوشنر قبل الانتخابات الرئاسية بامريطا في نوفمبر.

ولا شك أن تطبيع كل من الإمارات والبحرين وعمان التي لن تتأخر كثيرًا عن اللحاق بجارتيها، لا يمكن أن يقاس بتطبيع المملكة السعودية، فهذه الدول ومهما بلغت من الإمكانيات والقوة فهي تبقى دولاً هامشية ذات فعل سياسي ظرفي ومحدود خارج مجالها الجغرافي، ولا تتمتع بعمق إستراتيجي ولا بمكانة وازنة على المستويين الإقليمي والدولي، رغم الجبلة والضوضاء الذين يفتعلهما محمد بن زايد في دول عدة بالمنطقة لنصرة الثورات المضادة.

لن يفتح التطبيع على مصراعيه

هذه نقطة تدركها جيدّا واشنطن وتل أبيب، فبوابة التطبيع الشامل لن تُفتح على مصرعيها إلا عبر انخراط السعودية في هذا المسار وأن الإمارات وحدها لا يمكنها فرض هذه الأجندات عربيًا، وهو طرح أكده في وقت سابق غاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالقول: "تطبيع العلاقات بين الاحتلال الإسرائيلي والسعودية أمر حتمي"، أي أنّه ضرورة قصوى.

كما أن إسقاط جامعة الدول العربية قرارًا فلسطينيًا يدين التطبيع بين الإمارات والاحتلال الصهيوني، خلال اجتماع مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، لا يمكن عزله عن سياق دور الرياض المفصلي، فمن المعلوم أن الرياض لها اليد الطويلة داخل أروقة الجامعة تتحكم في القرارات وصياغة البيانات، مستخدمةً سلطانها المادي والمعنوي على كثير من الدول ذات وزن إقليمي كمصر والأردن، بمعنى أن واشنطن تعوّل على الرياض في تعطيل أي مشروع قرار يضرب مسار التطبيع وفي تذليل العقبات التي يمكن أن تحول دونه.

المفاوضات السرية التي جرت في وقت سابق مع الإمارات، وبمشاركة ومعرفة كل من السعودية والبحرين ومصر، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، بهدف إنهاء المعارضة الفلسطينية لإقامة علاقات والتطبيع مع "إسرائيل"، تُدلل أيضًا على موقع الرياض المركزي في مشروع التطبيع تحت قيادة ترامب، فوفقًا لدبلوماسيين دوليين مدعومين من السعودية شاركوا في هذه الخطوة، فقد عرض على القيادة الفلسطينية استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وفتح قنوات تجارية مباشرة، وبيع النفط والغاز بأسعار منخفضة للغاية، وإنشاء مناطق صناعية متطورة، وتوظيف عشرات الآلاف من المهندسين والأكاديميين الفلسطينيين في الشركات الخليجية وغيرها".

لذلك يُمكن اعتبار الخطوة الإماراتية تأتي في سياق إزالة الحرج عن النظام السعودي حتى يُعلن هو الآخر تطبيعه العلني، وأنّ إقدام حكام أبو ظبي على هذه الحركة لا يُمكن بحال من الأحوال دون تنسيق وتفاهمات مع الرياض التي أصبحت تشترك معها في عدد من الملفات ضمن تحالف أُقيم بين البلدين لتوحيد الجهود والتحركات في مواجهة ملفات الحساسة من أهمها الحرب في اليمن وحصار قطر، ممّا يعني ضرورةً أنّ النظام السعودي أراد من خلال تطبيع الإمارات قياس ردود الفعل على هذه الخطوة عربيًا على الجانب الرسمي وجس نبض الشارع على المستوى الشعبي. ..وهكذا تسير المنطقة العربية نحو الارتماء في الحضن الصهيوني ، لتحقيق مصالح الغرب ووأد روح ومشاريع المقاومة والثورة والتغيير التي تطوق لخا الشعوب العربية.

Facebook Comments