“لحوم العلماء مسمومة”، ليست تلك العبارة حديثا نبويا؛ لكن من كثرة ما يتم ترديدها اعتقد البعض أنها حديث ومن تخدمهم هذه العبارة جعلوها حجة، وأكثر من يرددها هم كهنة معابد الطغاة، تنتشر كثير من العبارات في مجتمعاتنا الإسلامية انتشار الرمال في الصحراء، ويستخدمها العالم والجاهل والكبير والصغير، وبالأخص منها العبارات الدينية؛ حيث يؤمن كثير من عامة الناس بقدسيتها في الإسلام، ومن ثم يستخدمونها في حياتهم ونقاشاتهم.
وتتنوع مصادر هذه العبارة، لكن معظمها تحت حكم العسكر يقع على مسامع الناس من رجال الدين، الذين لم نسمع عنهم إلا في إعلام العسكر، ومن رجال الدين من بزغت نجوميتهم هذه الأيام مثلهم كالمغنيين أو لاعبي الكرة على اختلاف المجال، مستغلين جهل البعض أو حب البعض للدين.
صحة وعافية!
من جهته يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي، أستاذ علم الأخلاق السياسي في جامعة قطر: “لحوم العلماء مسمومة ما كانوا شهداء لله، قائمين بالقسط، أما حين يصبحون خدما وحشما في ركاب الظالمين السفاحين، من أمثال محمد بن سلمان والسيسي وبشار.. فلحومهم حلال طيب، ولبن وعسل، وصحة وعافية”.
وأول من أورد عبارة “لحوم العلماء مسمومة”، هو الإمام الحافظ ابن عساكر، وهو من علماء المسلمين في القرن السادس الهجري، وصاحب كتاب “تاريخ دمشق” الشهير؛ حيث قال نصًّا في كتابه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي حسن الأشعري)، ما نصه:”وأعلم يا أخي -وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم”.
وبالتالي ما يفهم من عنوان الكتاب أنه أَلف للدفاع عن الإمام الأشعري والرد على منتقديه، الذين من بينهم أهل الحديث أو كما يسميهم البعض (أهل السنة والجماعة)؛ ويتميز زمن تأليف هذا الكتاب بالتعصب الأعمى لأصحاب كل مذهب، حتى أن ابن عساكر وصف منتقدي الأشعري “بأوباش الحشوية”.
وبذلك فأصل هذه العبارة من الأشاعرة، لكنها ترددت كثيرًا فيما بعد، خاصةً في العصر الحالي، فبهذه العبارة مُنعت أفكار وحجبت آراء ودفنت مذاهب، حتى وصل الحال ببعض مستخدميها، إنزالها منزلة النصوص الشرعية، أو القول المأثور عن صحابي جليل، لتصبح هذه العبارة طُعمًا يصاغ في أفواه دراويش كل شيخ؛ للرد على كل من ينتقده، سواء كان على حق أو باطل.

لحوم العامة؟
وكأن السؤال أو الاعتراض على رأي هذا الشيخ هو اعتراض على قول نبي يوحى إليه، أو رسول جاءته رسالة من الله، فأعطوا هؤلاء الأشخاص قدسية لم يحظ بها أحد من الصحابة أو التابعين، حتى وإن ظهر جليًا خطأ هذا الشيخ، تجد من يتعصب إليه ويدافع عن خطئه بالقول: “بأنه من أهل للعلم فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر”.
والسؤال هل لحوم العلماء مسمومة ولحوم العامة مهدرة،على افتراض صحة هذه المقولة شرعيًّا، فهل كل مدعٍ للعلم أو من شيخه الناس باسم شيخ، فهو من تلك الفئة المحظوظة بسموم لحمها؟
قسم الفقهاء العلماء إلى ثلاثة أقسام: عالم ملة، وعالم دولة، وعالم أمة، أما “عالم الملة” فهو الذي ينشر الإسلام، ويفتي بأحكام الدين عن علم، ولا يبالي أوافق هذا أهواء الناس أم تعارض مع أهوائهم، وأما “عالم الدولة” فهو بطل كل زمان ومكان، لا يخلو زمان أو عصر منه، الذي باع دينه ونفسه بدنيا غيره، وما أكثره في زمن الانقلاب والطغاة، وهو الذي ينظر في أول الأمر وآخره إلى ما تريده عصابة العسكر، فيفتي بما تراه العصابة، ولو كان ذلك على حساب أحكام الإسلام.
أما القسم الثالث والأخير “عالم الأمة”، وهو الذي ينظر ما يوافق أهواء الناس ورغباتهم، سواء كان ذلك على حساب الدين وأحكامه؛ طمعًا في إرضاء الناس، يقول الدكتور حذيفة المسير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، إنه لا يوجد حديث صحيح لفظه “لحوم العلماء مسمومة”، مشيرًا إلى أنها مقولة.
وأضاف: إنه لم يرد حديث أو آية قرآنية تؤكد أن لحوم العلماء مسمومة، رغم أن العلماء لهم فضل كبير في توصيل العلم للناس، وليس معنى قول ابن عساكر أن لحوم العلماء مسمومة دون غيرهم، فالأصل أن لحوم كل المسلمين محرمة ومسمومة لغيبتها.
السيسي في الجنة!
وسخر الشيخ محمد الصغير، مستشار وزير الأوقاف السابق، من الصمت المخزي لعلماء ومشايخ البلاط السعودي تجاه جريمة ابن سلمان البشعة بحق الصحفي جمال خاشقجي الذي اغتيل وقطعت جثته داخل قنصلية بلاده بإسطنبول.
وقال “الصغير” في تغريدته الساخرة من مشايخ “لحوم العلماء” الموالين للنظام في السعودية، والذين سبق أن أجاز أحدهم لولي الأمر أن يزني ويشرب الخمر على الهواء: إن هؤلاء المشايخ في ورطة حقيقة بعد إثبات تورط الأمير أبو منشار بمقتل خاشقجي.
وفي وقت سابق أجاز الداعية المنتمي لفصيلة “لحوم العلماء مسمومة” عبد العزيز الريس، للطغاة بالزنا علنا وقال إنه “لو زنى ولي الأمر نصف ساعة على التلفاز، فلا يجوز لك التحريض عليه، ولا ذكر اسمه لا تصريحا ولا تعريضا”، وقبله خرج الداعية الأمنجي محمد سعيد رسلان، الذي حرم منافسة السفيه السيسي في الانتخابات يقول:” رأيت الرئيس السيسي حفظه الله . يرتع في رياض الجنة .وله منزلة فيها يحسده عليها الصديقون والشهداء والصالحون”.

وقبل هؤلاء جميعا خرج محمد حسان يروج للانقلاب ويتنازل عن الدعوة لله من أجل استقرار حكم العسكر، وبعده طالب ياسر برهامي، نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية، أعضاء حزب النور والدعوة السلفية بالخروج والتصويت للسفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، خلال مسرحية الانتخابات الماضية، قائلا: “سيأتي يوم تقولون الله يرحم أيام السيسي، كما قلتموها من قبل على أيام حسني مبارك”.