كل يوم ينكشف حجم الخيانات والصراعات التي تحكم أكبر جهازين أمنيين بمصر، وهما المخابرات العامة والمخابرات الحربية.. فعلى مدى سنوات قاد جهاز المخابرات العامة الملفات النصرية الداخلية والخارجية بكفاءة وبعقلانية المعلوماتية التي لديه.
وحظي عمل الجهاز بعدوانية متجذرة لإسرائيل منذ الستينيات، حتى ما بعد ثورة 2011، حتى على دور دهاليز المخابرات الحربية الذي يعمل بالتعاون مع الصهاينة في سيناء وجمعته المثير من اللقاءات والدورات والاجتماعات مع الإسرائيليين، الذين يتعاون معهم في لجان الاتصال بسيناء.
وقد دأب السيسي الذي جاء من قلب جهاز المخابرات الحربية على تقليص دور المخابرات العامة، بل وصفها في أحد تسريباته لمدير مكتبه بقوله “ايدك من العامة والأرض”، وهو ما كرره الضابط أشرف الخولي.
سعي السيسي إلى تقليص دور المخابرات العامة، وضح من خلال إقالة ونقل نحو 124 من قيادات الجهاز ووكلائه إلى أعمال بالوزارات أو إحالة للمعاش، بجانب حرب إعلامية عليها بشكل خفي، واتهامها بالخيانة في كثير من الخيانات خلال حوادث استهداف الجيش والشرطة.. في الواحات وفي سيناء.. وغيرها من الحوادث.
وكانت آخر محاولات المخابرات العامة لاستعادة دورها ما قامت به من محاولة اختطاف موسى الدلح، وهو أحد أبناء قبيلة الترابين المتعاونين مع الجيش، ويعمل في مجال المقاولات، حيث فوجئ بمحاولة بعض الأشخاص، مجهولي الهوية، القبض عليه واصطحابه إلى جهة غير معلومة.
وكشف الدلح عن تفاصيل الواقعة عبر صفحته على موقع “فيس بوك”، وقال إن أشخاصًا زعموا أنهم تابعون لـ”جهة سيادية” حاولوا القبض عليه للتحقيق معه فيما ينشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وشنّ الدلح هجومًا حادًا على الأجهزة السيادية في مصر، موجهًا نداءً إلى السيسي بسرعة التدخل، خصوصًا أنه يدعم الدولة المصرية في حربها على الإرهاب، حسب قوله.
وشدد على أنه حصل على تعهُّد من قائد قوات مكافحة الإرهاب اللواء أركان حرب محمد المصري بعدم الاقتراب منه. وحسب الدلح، فإن الاتصال بالشرطة وتجمُّع بعض سكان العقار الذي يتواجد فيه، حال دون القبض عليه.
وقالت مصادر قريبة من المؤسسة العسكرية إن الجهة المسئولة عن الأوضاع في سيناء، والتعامل مع القبائل، هي الجيش المصري في المقام الأول، ومن ثم فإن الدلح يعتبر فعليًا تحت وصاية القوات المسلحة.
ولفتت المصادر إلى أنه “من المؤكّد أن محاولة القبض على الدلح كانت من قبل الاستخبارات العامة، لمحاولة فتح خطوط اتصال مع أطراف في سيناء، حتى يكون لها عيون ومصادر للمعلومات من هناك”، مشددة على أن الاستخبارات العامة “لم تكن ترغب في تصعيد الموقف والقبض على الدلح بالصورة المتعارف عليها، ولكن ربما كان الغرض محاولة الحصول على المعلومات منه، باعتباره ضمن المجموعة التي تتابع تحركات تنظيم “ولاية سيناء”.

معارك الجهازين
بدأت التوترات في العلاقة بين الجهازين تظهر على السطح يوم 28 يناير 2011 وما بعده، واتضح ذلك من خلال فقد كل الأجهزة الأمنية في الدولة المصرية السيطرة والتوقف عن العمل، بخلاف جهاز واحد، هو الذي استمر فى ممارسة عمله بهدوء وثبات، وهو جهاز المخابرات الحربية، حيث شرعت في اعتقال النشطاء من ميدان التحرير وإخفائهم قسريا، واحتجازهم في مقر المجموعة 75 بمدينة نصر.
– مقتل رئيس المخابرات العامة، ومحاولة اغتياله أكثر من مرة، وإطلاق جهة رسمية النار عليه، وفقا لتصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط، فى كتابه “شاهد على الحرب والسلام”، وخلال لقاء تلفزيوني اتهم جهة رسمية بشكل صريح بالوقوف وراء الحادث.
– تصفية الكوادر العاملة بجهاز المخابرات العامة، حيث أصدر السيسي، عددا من القرارات الرئاسية أطاح فيها بعدد من مسئولي جهاز المخابرات العامة، ليصبح إجمالي من تمت الإطاحة بهم رسميا منذ انقلاب 3 يوليو 2013 وحتى مطلع، 2017، عدد 113 مسئولا ووكيلا بجهاز “المخابرات العامة”.
– الاتهامات بالخيانة وتسريب معلومات للمسلحين للهجوم على الجيش والشرطة والقضاة، والأمثلة على ذلك كثيرة، أبرزها مذبحة القضاة بالعريش 16/05/2015، والتى قال خبراء أمنيون إنهم تم استهدافهم بعد تسريب خط سيرهم، وحوادث مقتل قيادات الداخلية والضباط الذين يتم تصفيتهم على الطرقات فى سيناء، ولا يتم ذلك إلا بعد ورود معلومات موثوقة للمسلحين، وكان ذلك واضحا وصرح به رئيس وزراء مصر الأسبق أحمد شفيق، وقالت به قيادات عسكرية وأمنية والصحفيون المقربون من النظام المصري، وهو وجود خيانة داخل الأجهزة الأمنية في حادثة الواحات.
– حادثة استهداف وزيري الدفاع والداخلية ومقتل مرافقين لهما أثارت تساؤلات عمن سرب معلومة تواجدهم فى الزمان والمكان.
– حادثة مقتل العقيد أحمد المنسي في سيناء، حيث أفادت مصادر عسكرية، يأن الصوت الذي ظهر في التسجيل الصوتي الذي نشره الإعلامي أحمد موسى ثم تراجع عنه ونفي صحته، هو صوت العقيد أحمد المنسي، حيث إن “المقدم المنسي استغاث بالقيادة من أجل الدعم، وتم تجاهل ذلك، إلى أن استشهد هو وكامل أفراد القوة.
– تكشف مصادر عسكرية أن المسلحين فى بعض الحالات تكون لديهم معلومات عن الوحدات االتي يستهدفونها أكثر من القيادات العسكرية والجنود المستهدفون، ويعرفون الأفراد والعتاد ومخازن السلاح وخطوط السير أفضل من أفراد الوحدة نفسها”.
– في مسرحية شفيق، تحدثت وسائل إعلام انقلابية عدة عن علاقات لشفيق كبيرة وممتدة مع جهاز المخابرات العامة، وهو ما ورد ذكره بتوسع من قبل الضابط أشرف الخولي في تسريبات “نييورك تايمز” مؤخرا.

المستفيد!!
ولعل تلك الصراعات لا يمكن فهمها بعيدا عن الدور الصهيوني ومصالحه المتصاعدة في مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013، حيث استهدف الصهاينة منذ وقت بعيد إثارة الفتن والصراعات بين أطراف المعادلة المصرية.. لخلخلة الآن القومي المصري، الذي بات منتهكا أمام الأجهزة الصهيونية والأمريكية.
وفي هذ الإطار، يقول قال لواء سابق بالجيش المصري جمعه أثناء خدمته تنسيق مع جهاز المخابرات الحربية، في تصريحات صحفية، مؤخرا، “من المعروف أن المخابرات العامة هي أكثر المؤسسات المصرية عداء لإسرائيل، وهي التي كانت تدير الصراع مع إسرائيل طوال عصر جمال عبد الناصر ثم عصر السادات، واستمرت على مبادئها واستراتيجيتها في عصر مبارك الطويل، على الرغم من تغير الاستراتيجيات العامة للدولة في ذلك العصر، وتكونت أجيال منها تعلمت من أجيال سبقتها المبادئ نفسها والأساسيات نفسها”.
وأضاف: “كلفت المخابرات العامة وقت مبارك بإدارة ملف فلسطين وملف غزة بالتحديد، فأدارته بمهارة في ظل قيود شديدة مفروضة عليها، ولما قامت الثورة كان للمخابرات العامة دور هام، وقد اختير رئيسها نائبا لرئيس الدولة، وكاد أن يتولى الرئاسة خلفا لحسني مبارك لولا تدخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الصراع على السلطة وانتزاعه تفويض الرئيس المعزول في إدارة شئون البلاد، وفي تلك الفترة دعم رئيس جهاز المخابرات الحربية مركزه وقوته بعدد كبير من العمليات القذرة في الشوارع والميادين، ليوقع العداوة بين الشعب والقوات المسلحة التي ينتمي إليها ويحسب عليها، وكلما ازداد التقارب بينهما ارتكب جريمة جديدة تنسب زورا للقوات المسلحة فيبتعد الثوار عنها، حتى وصل الأمر إلى عداوة واضحة وصريحة بين ثوار الشعب وجيش البلاد، وهو أحد الأهداف الرئيسة التي كلفت بها إسرائيل ذلك العميل الصهيوني، الذي نجحت في زرعه في المخابرات الحربية المصرية، ثم أوصلته إلى رئاستها بعد جهد طويل وتدبير محكم”.
ويوضح اللواء بالجيش أنه “من المعروف أن جهاز المخابرات العسكرية كان منذ معاهدة السلام الإسرائيلية الهدف الأول للصهاينة، وكان ذلك الجهاز هو المعبر الذي عبرت الاستخبارات الإسرائيلية من خلاله إلى إقامة علاقات وثيقة مع القوات المسلحة المصرية، بدأت باللقاءات الدورية التي نظمها الأمريكيون بينهما بحجة ترتيبات مراقبة الحدود ومراكز الإنذار المبكر الأمريكية والمصرية والإسرائيلية في سيناء، وتطورت العلاقات بعد ذلك على مدار عشرات السنين وتعاقب الأجيال، فتكونت صداقات حقيقية بين ضباط مخابرات مصريين ونظرائهم الإسرائيليين، وقد حدث ذلك في المخابرات الحربية ولم يحدث في المخابرات العامة، ولقاءات التنسيق هذه تنعقد باستمرار طوال حوالي أربعين سنة على مستويات مختلفة بين ضباط الاستخبارات الحربية في مصر وإسرائيل؛ ولذلك فإن أسبق مؤسسات مصر في تطبيع العلاقات مع إسرائيل كانت -ولا تزال- هي إدارة المخابرات الحربية.
وأشار اللواء بالجيش إلى أنه لاحظ “تلك العلاقات الوثيقة بينهما في أواخر القرن الماضي أثناء بعض العمل المشترك الذي جمع بيننا وبين بعض ضباط المخابرات الحربية، وأكد لي أحدهم موافقة مديرهم على ذلك”.
وأضاف: “ولما طالت الأيام وتكاثرت الجرائم والأحداث على الأرض، سخر الناس من حديث القادة عن الطرف الثالث، ولم يكن أحد يعرف أن واحدا من المنتسبين إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة يخونه ويخون البلاد ويرتكب -بما له من مليشيات وما لديه من صلاحيات ائتمنته عليها القيادة- تلك الجرائم الشنيعة ليوقع بين الشعب المصري ومؤسسات الدولة، وكانت مليشيات ذلك العميل هي الطرف الثالث الذي لا يعرفه أحد.
وعما بعد الانقلاب، يقول اللواء بالجيش: “بدأ السيسي تنفيذ الخطة الإسرائيلية السابق إعدادها؛ للقضاء على جهاز المخابرات العامة العدو الأول لإسرائيل في مصر، فقد أخرج بالنقل والتقاعد والعزل أعدادا كبيرة جدا من ضباط المخابرات العامة من أماكن عملهم، وأحل محلهم غيرهم ممن يرضى عن ولائهم له أو على الأقل سلبيتهم. وهكذا تدار مصر لصالح إسرائيل، عبر الخائن الأكبر عبد الفتاح السيسي!!