احتفالات سلطات الانقلاب وعصابة العسكر التي تضم الفسدة من الأثرياء ورجال الأعمال وبعض النخب برأس السنة بالفنادق والمنتجعات، والتي بدأت يوم 23 ديسمبر الماضي، توَّجتها فنادق يديرها جهاز الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، فضلا عن دور ونوادي الأسلحة المختلفة، وكان على قائمة العسكر المطربة اللبنانية هيفاء وهبي، والمطرب محمود العسيلي، بسعر تذكرة يبلغ قيمة راتب كامل لأحد المواطنين الذين أفقرهم العسكر.
حددت فنادق ونوادي ودور القوات المسلحة سعر التذكرة هذا العام من 2000 جنيه وحتى 4000 جنيه، وتتابعت الحفلات بفنادق العسكر وبواخرهم النيلية ومدينتي شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي، أيام 25 و31 ديسمبر، وغلب على أسعار التذاكر ببلد يقبع 30.2 % من سكانه تحت خط الفقر، ويلامس نصفه معدلات الفقر حسب البنك الدولي، ما بين ألفي جنيه وحتى 10 آلاف جنيه.

شعبان في مصر
وباتت مجتمعات الأثرياء المغلقة أو “الكومباوند” العنصر المشترك في معظم مشروعات العسكر، بصرف النظر عن حالة الانقسام المجتمعي بين ساكنيها ومن هم خارجها، لا تخلو الكثير من الطرق السريعة حاليًا من إعلانات ضخمة لفيلات أو شقق فاخرة، غالبيتها تحمل أسماء أجنبية.
وتقدم تلك الإعلانات مبررات تسويقية لجذب الجمهور حرمت منها المناطق الفقيرة والمهمشة، أهمها الرفاهية والأمن والمدارس الدولية والأندية الصحية والرياضية، ومراكز التسوق والخدمات الفندقية والترفيهية والشوارع الواسعة النظيفة، والمراقبة بالكاميرات والصالحة للجري وركوب الدراجات التي أدمن ركوبها السفيه قائد الانقلاب.
وبعد تمكن السفيه عبد الفتاح السيسي من الاستيلاء على السلطة، في انقلاب 30 يونيو 2013، حاز كثير من مؤيدي الانقلاب ثروات طائلة في غفلة من الحساب والحسبة بالمعنى الديني، ومن المساءلة والرقابة بالمعنى المدني، ينظرون إلى الفقراء بأنوف شامخة، وعيون تتسع من فرط الغضب، ووجوه تعلو ملامحها الاشمئزاز، وبعضهم تملأ العجرفة رأسه، فتعمى بصيرته، ليسأل نفسه: ماذا لو جمعنا الفقراء فى صحراء مترامية، وأطلقنا عليهم الرصاص، لنتخلص من عبئهم إلى الأبد؟
وإذا كانت الثورات الناجحة تؤدي إلى إعادة توزيع للثروة من الأغنياء إلى الفقراء، فمما لا شك فيه أن الثورات المضادة تؤدي إلى تراكم الثروة فقط في أيدي الأغنياء، وأكَّدَت السنوات العجاف الماضية لانقلاب السفيه السيسي صحة هذه المقولة، فمع تنفيذ سياسات “التخريب الاقتصادي” بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، تضاعفت تكلفة الحياة اليومية لغالبية المصريين، مع انخفاض في الأجور الحقيقية، في حين تضخَّمَت ثروات كبار رجال الأعمال ومليونيرات العسكر بشكل عام.
إفقار الفقراء
إلغاء سلطات الانقلاب الدعم على السلع الأساسية مع انخفاض قيمة الجنيه إلى أقل من النصف، لم يزد فقط من معاناة الفقراء، بل دفع بملايين من الطبقة الوسطى والمهنيين إلى الانضمام لصفوف الفقراء، لم يكتف العسكر برفع الدعم بل ضاعفوا أسعار كافة الخدمات العامة من سعر تذكرة المترو والمواصلات، إلى سعر تصريح الدفن وشهادة الوفاة!.
هذا الهجوم يجري بحجة أن حكومة الانقلاب ليس لديها موارد، وأن الطريق الوحيد للإصلاح هو أن يتكاتف الجميع لمصلحة مصر، وأن المصريين عليهم التضحية من أجل بلادهم، ولكن السفيه السيسي لا يفرض التضحيات إلا على الفقراء والطبقة الوسطى فقط، بينما أثرياء الانقلاب يعيشون في ثراءٍ غير مسبوق، وتتراكم ثرواتهم في هذا العهد لتتجاوز مئات وآلاف أضعاف ملاك الأرض في عهد الملك فاروق!.
وتحولت “مصر السيسي” إلى جنة الأغنياء بشكلٍ يتجاوز حتى نهايات عهد المخلوع مبارك، ويتحدَّث أهل الاقتصاد كثيرًا عن هيمنة الجيش على الاقتصاد، ولكنه في واقع الأمر يلعب دور المُنسِّق في خدمة شركات مملوكة لرأسماليين مصريين، من يتابع على سبيل المثال سوق العقارات والأراضي في مدينة السفيه السيسي الجديدة، سيلاحظ على الفور كم الأموال المتراكمة لدى عائلات الرأسمالية التي تمددت في حكم العسكر، حتى سوق السيارات الفخمة ما زالت في حالة ازدهار رغم ارتفاع قيمة الدولار، أما الساحل الشمالي فكل يوم نسمع عن قرية جديدة بفيلات وشاليهات، تتجاوز أسعارها عشرات الملايين في بعض الأحيان، ويبقى السؤال الأهم: لماذا يكره أغنياء العسكر فقراء مصر؟.