فتحت الثورات المضادة مساحة مطالب الشعوب العربية على مصراعيها، بعد أن اقتصرت ثورات العام 2011 على مطالب الحرية والعدالة والكرامة، كان أمل الشعوب العربية الثائرة في 2011 هو محاربة الفساد وبناء مؤسسات ديمقراطية يمكن محاسبتها، وعلى أساس أنه ستتم معالجة ملفات أخرى على مدى زمني ممتد وبشكل تدريجي.
ولم تكن من أهداف تلك الثورات الانتقام من كل من عمل مع الأنظمة القديمة، وإنما فتحت الباب أمام الكثيرين لدعم الثورة، أو للتوبة والاستقالة من العمل العام، كما لم تفتح الملفات المتعددة للسياسات الخارجية للأنظمة القديمة، والتي قامت على التبعية للخارج والاستضعاف وعدم استخدام عوامل القوة المتاحة.
من جانبه أكد الكاتب الصحفي الفلسطيني ماجد عبد الهادي على أن ما يجري في السودان من بدايات ثورة ضد نظام الرئيس عمر البشير يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الثورة المضادة ضد ثورات الربيع العربي منذ 2011 لم تنجح حتى الآن في كسب المعركة.

خطاب سابق!
وفي تحليله لما يجري في السودان، أجرى “عبد الهادي” مقارنة كاملة بين النظامين السوداني والسوري، كاشفا عن أوجه الشبه بينهما علي الرغم من الاختلاف الأيديولوجي، وقال إن جوه الشبه بين الحالين وصلت إلى “حد إطلاق الرئيس السوداني، عمر حسن البشير، اتهاماتٍ تماثل، على نحو مدهش، تلك التي سبق أن أطلقها نظيره السوري، بشار حافظ الأسد، ضد المنادين بإسقاطه، ومنها وصفهم بالمندسّين والخونة والعملاء والمتآمرين، لتبرير ملاحقتهم بالحديد والنار، دونما رحمة”.
كما أوضح أن الأيديولوجيتين المختلفتين لنظامي الحكم في االسودان وسوريا “لم تكن لهما وظيفة في هذا السياق، غير التغطية على نهجٍ تضليليٍّ واحد، قوامه محاولة نظام حزب المؤتمر الوطني تطويع أحكام الدين الإسلامي لإدانة المتظاهرين، وتفسير قتلهم على أنه قصاص شرعي، وتشبيه جوع الناس تحت حكم البشير بشظف العيش إبّان عهود الخلفاء الراشدين، في مقابل محاولة نظام حزب البعث العربي الاشتراكي استخدام شعارات العروبة والمقاومة، لتخوين معارضيه، وقتلهم باعتبارهم ضالعين في مؤامرةٍ كونيةٍ لمنع الأسد من استكمال بناء التوازن الاستراتيجي لتحرير فلسطين”.
وفيما يتعلق بالاختلاف الحقيقي بين التجربتين، فقد تمثل “في أولوية شعارات الخبز عند السودانيين الذين بلغ بهم التجويع مبلغه، بينما كانوا يتمتعون، منذ عقود سلفت، بهوامش من حقوق حرية التعبير وممارسة النشاط السياسي المعارض، لم تتوفر لدى نظرائهم السوريين الذين قدّموا الكرامة على ما عداها من احتياجاتهم، وخرجوا يهتفون “الموت ولا المذلة”، كاشفين حينها كم كان الكيل قد طفح بهم، نتيجة سياسات قمعٍ وحشيةٍ مروّعة، ندر مثيلها في العالم المعاصر، واستمرت أزيد من نصف قرن”.
لم ينتصر
وردًّا على الزاعمين بأن الأسد انتصر ليأخذوا هذا الأمر مبررا لإعادة التطبيع معه، أكد عبد الهادي أنك ما من حاجة بك هنا لتبحث عن ضمير من يرفضون رؤية ملايين الضحايا، ولا لتجادل أولئك الذين يمتنعون عن الاعتراف بتضاؤل مكانة الرئيس السوري إلى حد تجرؤ ضابط أجنبي على منعه من الجري خلف الرئيس الروسي في قاعدة حميميم، ولا لتسألن عما بقي لنظامه من سيادة.
بينما المليشيات الطائفية القادمة من وراء الحدود تهزج بأناشيد الموت لتسعة أعشار شعبه أمام المسجد الأموي، كي تعرف أن انتصاره مجرد زعمٍ أجوف، استهدف التمهيد لتعويمه مجدّداً، بخطواتٍ كان أبرزها استقباله الرئيس السوداني، ثم إعادة الإمارات فتح سفارتها في دمشق، وقد تصل قريبا حد منحه صك غفران عربي رسمي مترجم عن الإنجليزية، أو العبرية.
مؤكدًا أن شعب السودان وحده هو الذي يردّ الآن بالفعل، وليس بالقول، مؤكّدا أن الثورات المضادة ما زالت غير قادرة على إحراز الانتصار النهائي، وما هذا الذي يحدث في سورية واليمن ومصر وليبيا سوى معارك كر وفر مؤلمة، في حربٍ تحرّرية عربية لم تضع أوزارها بعد.
إرهاب الأنظمة
ما حدث أن خصوم الثورات العربية في الداخل والخارج تكالبوا عليها، نتيجة أسباب كثيرة أهمها انقسام صفوف القوى المحسوبة على الثورة، وعدم امتلاكها رؤى وبرامج سياسية محددة، فضلا عن السياق الإقليمي المعادي للديمقراطية، وازدواجية الغرب المعتادة؛ حيث عادت القوى الدولية إلى دعم مصالحها التجارية والعسكرية على حساب الديمقراطية التي ظلت مجرد عبارات بلاغية لا تعني شيئا. كما أُدخلت المنطقة في حرب على الإرهاب؛ الأمر الذي أعلى القبضة الأمنية والقمعية على حساب الحريات والحقوق.
ومع تكتل خصوم الثورة في الداخل والخارج، نجح هؤلاء في إجهاض الثورات وإدخال المنطقة إلى عهد جديد تسوده حالتان لا ثالث لهما، الأولى الدولة البوليسية القمعية التي تسيطر فيها عصابة محدودة العدد على السلطة والثروة والإعلام، والتي لا مكان فيها حتى للصمت والوقوف على الحياد، فالمطلوب من الجميع إما دعم الدولة البوليسية أو الذهاب إلى المعتقلات أو المنافي أو القبور.
والثانية الصراعات والحروب الأهلية، حيث هناك أيضا عصابات محدودة العدد تحتكر السلاح والمال مع فتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية سافرة، وفي الحالتين، صارت الدول العربية مساحة مفتوحة لممارسة الهيمنة الخارجية إنْ من خلال القروض والمساعدات والتبعية المفضوحة للإسرائيليين والغربيين، أو عبر التواجد العسكري المباشر لقوى إقليمية ودولية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العرب الحديث.
تجريم الحرية!
ضحايا هذه الأوضاع شملت مئات الآلاف من الضحايا في سوريا وعشرات الآلاف في اليمن وليبيا والآلاف في مصر وتونس، هذا بجانب عشرات الآلاف الذين زُج بهم في المعتقلات أو أرسلوا إلى المنافي، وشملت قائمة التداعيات السلبية أيضا المقامرة بمستقبل نظم الحكم العربية، فقد تم ترسيخ أسطورة أن الاستقرار أهم من الحرية.
وتم تجريم كل من يدعو إلى الحرية والتحرر وربطه بأجندات خارجية، بينما هناك تحالفات قوية معلنة بين النظم القائمة وبين القوى الكبرى، كما تم تجريم الديمقراطية ذاتها كنظام للحكم وتحميلها مسؤولية ما اقترفته النظم القديمة وقوى الثورة المضادة، وسياسات القوى الإقليمية والدولية، حدث هذا وكأن البلاد العربية قد عرفت الديمقراطية في الأساس خلال العامين 2011 و2012.