في السعودية يرقص الأمير محمد بن سلمان الطامح للعرش، ويمحو كل أثر للتدين السعودي وهيئة الأمر بالمعروف التي تحولت إلى هيئة الترفيه والأمر بالمنكر، ولا يختلف عنه السفيه السيسي الطامح للمكوث على عرش مصر أو ما تبقى منها هو وأولاده وأحفاده، ولأجل ذلك يضيق الخناق على كل ما هو ديني وعلى رأس قائمة التضييق الأزهر، وعلى إثر تفجير قرب كنيسة للأقباط بمنطقة مدينة نصر شرق القاهرة، الأحد الماضي، أودى بحياة أحد ضباط المفرقعات؛ شنت ميلشيات الانقلاب حملة اعتقالات موسعة في صفوف طلاب جامعة الأزهر بمناطق مدينة نصر وعزبة الهجانة، واختطفت عشرات الطلاب من الشقق السكنية المحيطة بجامعة الأزهر، واقتادتهم لأماكن احتجاز مجهولة.
في أحد تصريحات رئيس جامعة الأزهر المؤيد للانقلاب، يقول:” “مصر في أزمة، والطالب الذي سيعبر عن رأيه سأقطع لسانه ويده، وأنا مستعد لطرد أي طالب أو طالبة، وإلقاء طالبات المدينة الجامعية الأزهرية في الشارع، في حال تهديد الأمن أو الإساءة للدولة”
كانت مصر بالأزهر بلاد علم وحضارة قوية فكان الأزهر ركن العلم من حضارتها والأزهر مكان يستحق الإجلال فقد كان مصباح تستضيء به جميع الأمم الإسلامية ومنبعا صافيا لعلوم الدين ومستودع فنون العربية وأسرارها وبعض العلوم العقلية.

تأميم الأزهر
وقد اضطلع الأزهر – قبل انقلاب العسكر- بحمل عبء المعارف الإسلامية وغيرها وخاصة بعد سقوط بغداد وضياع ذخائرها العلمية وصار القِبلة التي يؤمها طلاب العلم من جميع الأقطار كما كان الملاذ الذي يلجأ إليه الناس في وجه الاحتلال الخارجي والطغيان الداخلي فتسير منه المظاهرات ولا تهدأ حتى تستعيد الحقوق وترد المظالم، وعلى هذا الأساس اكتسب الأزهر مركزيته في العالم الإسلامي.
ومع انقلاب الفاشي جمال عبد الناصر تقلص دوره وانحصرت مكانته، وبعدما كان الأزهر مؤسسة للأمة أصبح مؤسسة تخدم العسكر وهم يخدمون الاحتلال، ولا يستطيع أن يُنكر دورَ الأزهر في الحفاظ على هوية الأمة عبر قرون من الزمان، فقد كان قلعة الإسلام الحصينة ضد كل محاولات الانحراف والتطرف، الأزهر الشريف الذي ظل قرابة ألف عام تنبعثُ منه الجيوش، وتخرج منه الثورات الإصلاحية، وفيه يتربى قادة الأمة وملوكها.
وقبل انقلابات العسكر كان الأزهر منارة تشِع نوراً على العالم في أحلك الظلمات، وينبوعًا للعلم لا يجف في أشد أوقات العالم جهلاً وظلامًا، وكيف لا؟ والأزهر منهج الوسطية والاعتدال، والتاريخ خير شاهد، فلم يكن الأزهر يوماً تابعاً لنظام ولا لسلطة، ولم يكن شيوخه يوماً أصحاب مغنمٍ أو مظهرٍ أو جاه أو تقدُم أو تأخُر، بل أصحاب عقيدة وسطيَّة وشريعة سمحة، يُبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله، فتلقت شعوب الأرض المسلمة منهجهم بالقبول وعاشت عليه قروناً من الزمان.
ويتعرض طلبة الجامعات على وجه خاص لانتهاكات جسيمة، كالتضييق على العمل السياسي داخل كلياتهم واعتقال الطلاب الناشطين من منازلهم، وليس كل الطلاب على نفس الدرجة، فللطالب الأزهري، والقادم من بعض الأقاليم البعيدة من القاهرة، كسيناء خصوصاً، وضع خاص عن بقية زملائه، بداية من المضايقات من جانب شرطة الانقلاب في الشارع، وصولاً إلى التعذيب والاعتقال التعسفي.
أصابع الاتهام
يقول أحد الطلاب من كلية الدعوة، تم الإفراج عنه لاحقاً: “كانت الساعة الثانية من فجر الاثنين، وبينما معظم زملائي الثمانية من كليتي وكليات أخرى غارقون في النوم بشقة نستأجرها منذ بداية العام بمنطقة مدينة نصر، وكانت الصدمة لنا جميعا”.
وأضاف “أفزعنا طرق شديد على باب الشقة. وفي لحظات، وجدنا الرشاشات الآلية مصوبة فوق رؤوسنا مع أصوات سب وشتم بأقذع الألفاظ، وأمر بالوقوف بمواجهة الجدار، ورفع الأيدي لأعلى، ثم ضرب متواصل بكل قسوة، وويل لمن يصرخ أو يتأوه”.
وتابع: “استطعت أن أميز رتبه كبيرهم، فهو رائد، وخلفه مجموعة من الرتب الأقل حتى المخبرين، لكن الغريب أن من بينهم قوات تابعة للجيش، تأكدت بنفسي من تلك الحقيقة، ولم أفهم لماذا، وعرفت فيما بعد أنه يوجد أسفل العقار 8 مدرعات وعدد من كبار الضباط بين لواءات وعمداء وعقداء”.
وأوضح أنه “بعد حديث بين اللواء والرائد عبر اللاسلكي، أمره بجمع هوياتنا وهواتفنا المحمولة، وهنا كدت أن يغشى علي من الخوف، وبالفعل قام الضابط بإبلاغ أسمائنا لشخص مع القوة أسفل العقار وانتظر منه الرد، ثم أمرنا بالنوم على الأرض ووضع أيدينا فوق رؤوسنا”.
وأشار إلى أن الضابط قام بمناقشتي بما أنني بكلية الدعوة، حول عدة مسائل حول مشروعية الحجاب والنقاب، وحكم معايدة الأقباط في أعيادهم والزواج منهم، ولمن أقرأ وأسمع من العلماء والدعاة”.
وأكمل الحديث بقوله: “ظلوا يصعدون فوق أجسادنا بأحذيتهم، ومنهم من كان يدوس على رؤوسنا، ولا نستطيع أن نتألم، بينما قام آخرون بتفتيش أغراضنا، وتحطيم كل ما في الشقة، وسرقوا كل ما وجدوه في جيوبنا من نقود بجانب إيجار الشقة نحو ألفي جنيه، دون أن ينطق منا أحد بكلمة”.
وأضاف: “أخذ الرائد يمسك بهواتفنا واحدا تلو الآخر، فوجد أحدنا كتب على صفحته بموقع فيسبوك أن هناك تفجيرا حدث في كنيسة بمدينة نصر، فصفعه على الفور، وظل يضرب فيه حتى سقط على الأرض، ووجدني أراسل بعض الفتيات على الخاص، وقرأ تعليقات لبعضهن على صفحتي، ووجد بقائمة الأصدقاء زملاء أقباط لي فتركني، وقال: هل هنأتهم بالعيد؟ فقلت له: طبعا يا باشا”.
وتابع: “وبينما هو يفتش بهاتف أحد زملائنا، وجد له صورا وسط الثلوج في دولة أوروبية، فقال له زميلي إنه يمتلك الجنسية الإيطالية بجانب المصرية ووالده يقيم هناك، فتركه على الفور وأعطاه هاتفه”.
إغلاق الأزهر
وأضاف طالب كلية الدعوة: “عندها عاد اللاسلكي لينطق من جديد، فارتعدت معه أجسادنا، وأبلغوا الرائد بأسماء أربعة منا ليتم اعتقالهم، بدعوى انتمائهم لجماعات إرهابية، وأن أحد أفراد أسرهم معتقل على ذمة قضايا تظاهر، وبالفعل تم اقتياد زملائنا حفاة، ومنعوهم من ارتداء ملابس تلائم الشتاء القارس”.
وقال: “تركونا مع الفجر، فظللنا نبكي لا نعرف من القهر أم من السعادة أن نجونا، لنحمل كتبنا هربا من الشقة، ولنكتشف أنهم خطفوا العشرات من زملائنا في العمارة ذاتها والعمارات المجاورة”، وختم بقوله: “الغريب أنهم اعتدوا وبشدة على بعض الطلاب الأفارقة الذين يقطنون العقار ذاته، لكنهم لم يعتقلوا منهم أحدا”.
وتعيش مصر منذ انقلاب يوليو ٢٠١٣ فترة مظلمة تقترب من العشرية السوداء الجزائرية، في دموية الأحداث والقتل الذي عنوانه الدم والدم، وقد تعودت الساحة عند وقوع حادثة غامضة الفاعل أن تشير أصابع الاتهام إلى رافضي الانقلاب وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين، وبعد ذلك تقوم بتنفيذ إعدامات سريعة بدم بارد لعدد من المختفين قسرياً، أما في هذا الحادث فربما المطلوب هو إغلاق جامعة الأزهر.