تميز عصر المماليك ببناء المساجد الفخمة والأبنية الضخمة، التي كانوا ينفقون عليها الأموال عن طريق الجباية والنهب والسلب من فقراء مصر تارة، وبفرض الضرائب وبالسطو على أملاك مصر، وتراكم ديونها تارة أخرى، بينما كان فقراء المصريين يأكلون لحوم الحمير، وهو التاريخ الذي أعاده السفيه السيسي للواجهة بتشييد أكبر مسجد في مصر تحت اسم يرمز له وهو “الفتاح العليم”؛ لأنه فتح مصر للصهاينة وكان عليما لأنه ترأس المخابرات الحربية، وليس كما يظن البعض انه يشير إلى اسمين من أسماء الله الحسنى.
من يقرأ عن التاريخ المملوكي، في فترات ضعفه، فسيكتشف أن الكثير من هذه الأبنية ومنها المساجد قد أنشئت في أوقات كان القحط يحكم فيها قبضته على البلاد والعباد، بل إن بعض هذه التحف المعمارية كانت ترتفع بينما يتساقط المصريون صرعى للأوبئة الفتاكة التي كانت تنهش أجسادهم المنهكة أصلاً بفعل الجوع والقهر، والأعجب من كل ذلك أن بعض هذه البنايات قد شيد في نفس الوقت الذي كانت فيه نيران الصراعات والمكائد ورياح الفتن والدسائس تدور بين سلاطين المماليك من أجل الاستيلاء على العرش.
ووفقا لما نقلته عدة تقارير، فإن تكلفة الإضاءة فقط في مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية الجديدة تبلغ 20 مليون جنيه؛ حيث تم استخدام اللمبات والكشافات الليد في الإضاءة الداخلية والخارجية للمسجد، ونفذها عدد من الشركات المصرية.

السيسي يعاني الانتفاخ
لقد كانت رغبة العسكر تشبه حكام المماليك في الفخر والانتفاخ بمشاعر الزهو، وهي أكبر الدوافع التي تجعل السلطان المملوكي أو الجنرال العسكري لا فرق يسعى إلى منافسة سابقيه في بناية مسجد، يتباهى به ويشبع إحساسه المزيف بالعظمة، وربما كان الواحد فيهم يطمع في تخليد اسمه بين دفاتر التاريخ وفوق ألسنة الخلائق التي ستلهج بالدعاء له وتكثر من الثناء عليه بمجرد رؤيتهم لروعة مسجده وفخامة عمارته وجمال زخارفه دون أن يكلفوا خاطرهم بالتعرف إلى سيرته العطنة.
ويبدو أن جنون العظمة تسرب من المماليك إلى العسكر، فمن مسجد المشير طنطاوي إلى مسجد الفتاح العليم الذي بناه السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وبالعودة بالتاريخ للوراء نرى كيف سيطر جنون العظمة على نفسية ظالم لا يختلف عن السفيه السيسي يدعى “فرج بن برقوق”، جعله لا يقنع إلا بالمديح الذي يتجاوز حدود المعقول والمقبول، وينطلق إلى آفاق شيطانية لا تعرف الخوف من الله أو الخجل من الناس، ومن هنا يروي ابن تغردي بردي أن الأمير سيف الدين بن مقبل كان يقول له: “أنت أستاذي وأبى وربّى ونبيّى، أنا لا أعرف أحدا غيرك”.
وهو كلام لا يختلف عما قاله الدكتور سعد الهلالي للسفيه السيسي ووزير داخليته محمد إبراهيم عقب مجزرة رابعة والنهضة، عندما قال :”أنتما مثل نبي الله موسى وهارون”، ومثل هذا الكلام لا يقوله ولا يقبل أن يقال له إلا رجل لا وازع له من دين يرده ولا رادع له من عقل يقيده.
ولم يمنع الفقر المدقع الذي أوقع فرج ابن برقوق المصريين في شباكه، تماما مثله مثل السفيه السيسي، ولا الفتن التي تسبب فيها طيشه وتهوره، ولا آلاف الدنياير التي كان يجبيها من دماء المصريين ومهجهم، كما يقول المقريزي، ولا حتى قلة ورعه واستخفافه بالدين، وتجرئه العظيم على الله لم يمنعه كل ذلك من تنفيذ وصية أبيه في بناء مسجد، بل إنه لم يكن مسجدًا عاديًا لكنه كان مدينة كاملة متكاملة، واستغرق بناؤه اثنتي عشرة سنة وكان يأمل أن يدفن فيه، لكن ذلك لم يحدث؛ لأنه قتل في دمشق ولم يعرف له قبر، وبقي المسجد شاهدًا على الظلم والقهر والطغيان الذي مارسه صاحبه!

مساجد أم مقابر؟!
والمساجد التي أقامها سلاطين المماليك وأمراؤهم تضم مقابرهم أيضا، وعندما تدخل من الباب الرئيسي لمسجد المؤيد، تطالعنا تربته الرخامية قبل وصولنا إلى الإيوان الرئيسي للجامع، وبجواره تربة ابنه إبراهيم وفي الجهة القبلية غرفة أخرى للدفن، بها زوجة السلطان وابنته، وكأن الداخل إلى المسجد إنما يجسد الموت.
ولأن الديكتاتور قدراته القمع، وإمكانياته السلب والنهب، فقد لجأ إلى كافة ما يمكنه لتحقيق ما يهدف إليه، وهذا ما فعله السلطان المؤيد شيخ، يقول ابن إياس: “فلما بنى السلطان هذا الجامع حصل للناس بسببه غاية الضرر..” صورة غريبة يقدمها لنا ابن إياس، إذ كان المؤيد يقصد بناء بيت من بيوت الله، تشييد مسجد فلماذا يحدث الضرر بالنسبة للناس؟ لقد كان الأسلوب المملوكي في الحكم المتسم بالتعسف والظلم، يتسرب إلى أعمال الخير أيضا”.
كان بناء المسجد يحتاج إلى كمية كبيرة من الرخام، لهذا صار والي القاهرة يهاجم بيوت الناس ويخلع منها الرخام غصبا، وهنا لندع ابن إياس مرة أخرى يتحدث: “وصار المؤيد يكبس الحارات التي بها بيوت المباشرين، وأعيان الناس بسبب الرخام وكان التاج والي القاهرة يهجم على الناس في بيوتهم، ومعه المرخمون فيقلع رخام النسا طوعا أو كرها، وخرب دورا كثيرة، وجعل باب السلطان حسن الذي خلعه، وجعله على باب جامعه، وأخذ التنور الكبير النحاسي “النجفة” منها أيضا، ودفع في الباب والتنور خمسمائة دينار. فكان ما قيل في المعنى:
بنى جامعا لله من غير جله فجاء بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها فليتك لا تزني ولا تتصدق!