يتسلل الانقلاب كالسرطان داخل العائلة الواحدة، ويفعل تماما كما قال الفنان علي الحجار “انتو شعب وإحنا شعب”، ومن تمسك بالعدالة والحرية والثورة يجد نفسه تلقائيا يبتعد في صمت عن بقية العائلة التي انحازت للانقلاب، ويوما بعد يوم تبتعد المسافات وتوغر الصدور وتمتلئ القلوب بالتضاد، وهذه من سنة الله عز وجل منذ بداية الخليقة، ليس في مصر وحدها وليس في هذا القرن وحده بل منذ آدم إلى أن تنتهي الحياة، ويوم القيامة فريق في الجنة وآخر في السعير.
في إحدى قصص تحطم العائلات جراء الانقلاب، يقول الناشط الحقوقي المصري الأمريكي، محمد سلطان: “طالما أعجبت بخالي أنس، شقيق والدتي الأصغر واللواء في الشرطة المصرية. فقد ساعدني على تكوين إحساسي بالعدالة والانضباط. لم أكنّ له في سنوات نشأتي سوى الاحترام، فكم كنت معجبا بما كان يقوم به من دور في محاربة الأشرار”.

ويتابع: “طوال عمله في الشرطة لم يؤمن أبدا بأنه فوق القانون، وفي بلد بات الفساد فيه نمطَ حياة، كان يرفض التلويح ببطاقة هويته لكي يتجنب دفع أجرة القطار أو لتخليص نفسه من المتاعب اليومية، بل كان يعتقد بحق أن مهمة الشرطة تتمثل في الحفاظ على الأمن وخدمة الناس”.
قتل الرحم!
ويضيف سلطان: “فبعد أن انقلب قادة الجيش على الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، بدأت أشارك في الاعتصام الكبير في القاهرة احتجاجاً على عودة العسكر للحكم بعد ثلاثين شهراً فقط من انتفاض المصريين ضدهم، ورحت أبث تغريدات حية من داخل موقع الاعتصام. وفي الرابع عشر من أغسطس من ذلك العام، أحاطت الشرطة والجيش – بما في ذلك الوحدة التي يخدم فيها خالي – بالمخيم الذي يعج بالناس وهاجموه. قتل ما لا يقل عن ثمانمائة شخص (وإن كان البعض يقدر بأن عدد من لقوا حتفهم في ذلك اليوم تجاوز الألف) وأصيب ما لا يقل عن أربعة آلاف آخرين، وكنت واحداً منهم”.
وتابع: “وبينما راحت قوات الشرطة تخلي الموقع في ذلك الصباح، أصبت بطلق ناري في ذراعي، وبعد أيام قليلة داهمت الشرطة منزل عائلتي بحثاً عن والدي، والذي كان مسئولا في حكومة الدكتور مرسي، إلا أنهم بدلاً من ذلك اعتقلوني أنا، ثم اعتقلوا والدي بعد ذلك بعدة أسابيع. ظننت أن خالي سيهب سريعا لنجدتي. وبينما كنت محتجزاً في زنزانة انفرادية كانت تراودني الأحلام بأنه سيأتي ويهد جدران السجن لإنقاذي وإنقاذ والدي وإنقاذ رفاقنا السجناء ويخلصنا من التعذيب والتنكيل. إلا أنه لم يأت أبداً”.
واوضح أنه “في الشهور التي سبقت الانقلاب، انقسمت مصر على نفسها، ووجدنا أن أولئك الذي أيدوا الانقلاب على الرئيس مرسي، بما في ذلك أولئك الذين ساندوهم في وسائل إعلام الدولة، يقومون بتجريد قطاع كبير من المجتمع المصري من إنسانيتهم: وأقصد بذلك القطاع الإخوان المسلمين وكل من يؤمن بهم أو يتعاطف معهم”.
وتابع: “شعرت بالتوتر يتصاعد في كل عائلة وفي كل كيان اجتماعي، حيث تحولت الخلافات البسيطة إلى نوع من توحش الجديد، ولبس الخطاب المعادي للثورة رداء المعاداة لكل ما هو إسلامي، وتفشت نظريات المؤامرة وانتشرت كالنار في الهشيم. ورُسمت لجماعة الإخوان المسلمين صورة العدو الشيطاني الذي يشكل خطراً ماحقاً على مواطنيهم”.
ويختم سلطان بالقول: “لا أدري كيف ستتعافى مصر، ولكني أعرف أن ذلك يبدأ بأن يسعى كل واحد منا لإيجاد القوة في ذاته لتمكين الحب والأمل من التغلب على الكراهية والتظلم.رغم أنني قد لا تُكتب لي رؤية خالي العزيز مرة أخرى – وذلك أنني محظور علي دخول مصر بينما لن يتمكن هو من السفر إلى الولايات المتحدة – إلا أن مكالمة هاتفية واحدة أثبتت أنها جرعة قوية من الترياق الذي يزول به أثر السم الذي تجرعناه. بفيض من الحب، تمكنت أنا وخالي من استعادة الإنسانية التي جردنا منها رغماً عنا”.
محمد سلطان، خريج جامعة ولاية أوهايو الأمريكية، قضى قرابة العامين داخل سجون الانقلاب دون أي تهم محددة، حيث تم اعتقاله أعقاب مجزرة فض ميداني رابعة العدوية والنهضة، وذلك بتاريخ 27 أغسطس 2013، أثناء زيارة مجموعة من أصدقائه له بمنزله في القاهرة لإصابته بطلق ناري في أحد ذراعية، حتى إنه لم يكمل علاجه واضطر خلال فترة اعتقاله لإجراء عملية جراحية داخل زنزانته بواسطة “كماشة” لرفض سلطات الانقلاب نقله إلى مستشفى مجهزة.
خاض سلطان معركة الأمعاء الخاوية مع الانقلاب بدايةً من 26 يناير من العام 2014 بعد دخوله في إضرابٍ مفتوحٍ عن الطعام، استمرت المعركة 490 يومًا فقد فيها نصف وزنه، وتعرض فيها لفترات حرجة كادت تودي بحياته، الإفراج عن سلطان كان له صداه أيضًا، إذ حاز تفاعلًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي تحت هاشتاج “سلطان انتصر”، أخذ النشطاء ينشرون خلاله تضامنهم مع حالته.

أخي الضال!
وفي قصة أخرى غير بعيدة عن قصة آل سلطان، شقيقان جمعهما الدم، ورابطة الإخوة، وحتى الملامح، وفرقهما العسكر، هذا حال الشقيقين أحمد شوبير النجم الرياضي وأحد أبرز مؤيدي الانقلاب، ومحمد شوبير مؤسس حركة غربة التي تتولى الإعداد لمؤتمرات المعارضة بالخارج بالتنسيق مع كل الحركات المعارضة بمشاركة سياسيين أجانب بارزين.
وبنبرة حزينة وصف محمد شوبير المقيم بأمريكا منذ 20 عاما حجم العلاقة مع شقيقه، قائلا: “ستظل علاقتي بأخي أحمد يحكمها صلة الرحم، فأنا أحبه كثيرا، ونحن لسنا شقيقين فقط، ولكن صديقان حميمان، ولكن للأسف توترت العلاقة بسبب مواقفه من انقلاب 3 يوليو”.
شوبير الذي نفى أن يكون منتميا لجماعة الإخوان المسلمين تمنى أن تعود علاقته بشقيقه كما كانت من ذي قبل، فهو يراه من أصل طيب وبه خير كثير، وقد كانت العلاقة بين الشقيقين وقت حكم الرئيس محمد مرسي بحسب ما يقص محمد طيبة، رغم النقد الذي كان يوجهه أحمد له فكان في إطار الود والحب.
وانقطعت الاتصالات بينهم عقب الغدر بالرئيس محمد مرسي في انقلاب 3 يوليو 2013، خاصة بعدما بدأ محمد شوبير من محل إقامته بنيويورك معارضته الشديدة للسفيه السيسي وعصابة 3 يوليو، وتنظيمه فعاليات مناهضة للانقلاب في عدة دول أوربية.
“أعلم أن عليه ضغوط كثيرة، وأعلم أنه لم يعد يمتلك أمره وقراره، ولذلك انقطعت الاتصالات، ولكن هذا لم يغير شعوري وحبي تجاهه، إنه مازال أخي وحبيبي وسيظل إن شاء الله، وأدعو ربى دوما أن ينير بصيرته للحق والعدل” هكذا أضاف شوبير في حديثه.
لمحمد خمسة أشقاء آخرين، وجميعهم يتبنون دعم الانقلاب، وهو يتمنى لهم أيضًا تغيير موقفهم، وقد تبرأ أحمد شوبير عدة مرات خلال برامجه على الفضائيات وإذاعة الشباب والرياضة من تصرفات شقيقة المعارض للغدر، زاعما أن “الوطن عندي أهم من شقيقي”، ويعني بالوطن ما يحصل عليه من مكاسب جراء تأييد ظلم العسكر!