عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا، صوت المؤذن يعلن قيام صلاة الجمعة التي رحلت من بعدها ملامح مصر ما قبل الثورة بلا رجعة، انقطعت الاتصالات، توقفت الهواتف عن العمل، امتلأت ساحات المصلين عن آخرها، أنفاس الترقب ونظرات التحدي لقوات الأمن المحيطة بالمساجد والميادين غلّفت المشهد الذي انفجرت بعده سلسلة من أحداث تشابكت لرسم ثورة مصرية احتفظت لنفسها بملامح خاصة كان للمصريين فيها الكلمة العليا وبراءة الاختراع.
ملحمة كوبري قصر النيل، دوّى الرصاص الحي لأول مرة بين منعطفات الهروب وساحات الاشتباكات، مشهد اقتحام الميدان، وحرق أقسام الشرطة، وإطلاق وزير داخلية المخلوع مبارك خطة نهب مصر في ساعات انشغال الثوار بكتابة تاريخ الثورة، مسيرات المصريين التي اجتمعت وتوحدت واختارت البقعة ذاتها دون الحاجة لاتفاقات مسبقة، وغيرها من مشاهد “جمعة الغضب” صاحبة الذكرى الثامنة ومشهد النهاية في عمر نظام رحل بثورة الخل والبصل.

الهروب
يقول الناشط السياسي أحمد كمال: “الثورة لم تصبح واقعًا إلا يوم ٢٨ يناير، لمّا نزل فيها الناس اللي كان أكتر فصيل حشدهم هو الإخوان. لما تحرك النظام لتوجيه ضربة قاصمة للثوار في موقعة الجمل وقف الثوار بجميع طوائفهم لصد الهجمة، ولكن الجميع، حتى من ألد أعدائهم، أعطى من الثناء والعرفان الكثير لجماعة الإخوان في هذا اليوم”.
مضيفا: “تم تسخير القوى الثورية من قبل الجيش في وأد الثورة ممثلة في اختيار الشعب، وإيهامهم بأن الثورة اتسرقت منهم بالانتخابات، آه ما تستغربش، مع إن الشعب هو اللي عمل الثورة عشان يختار اللي عاوزه، مش حد تانى يختار له”.
وتابع: “استمر الإخوان في الصمود والتضحية والبسالة، بس بأسلوب عمره ما يسقط انقلاب لكن هذه التضحيات للحقيقة هي التي أبطأت في تمكين الانقلاب وفي فضحه وكشف وحشيته، تخلص العسكر من الإخوان ثم تخلصوا من الثائرين على الإخوان ثم تخلصوا من الإعلاميين الذين حرضوا للنزول للثورة على الإخوان ثم تخلصوا من المفكرين والكتاب الذين أيدوا النزول ضد الإخوان، ثم تخلصوا من كل المرشحين الرئاسيين الإسلاميين والعلمانيين والعسكريين”.
ويقول الناشط أنس حسن: “في ذكرى 25 يناير نفخر أننا كنا من الجيل الذي قلب الطاولة.. وأربك مشهد الإقليم.. وقال لا في وجه من قالوا نعم.. ولأن الصرخة قد تتراجع أمام دانات المدافع.. إلا أن دانات المدافع لا تجيد البقاء في العراء كثيرا.. وصافرة التحولات السياسية والاجتماعية التي ضربت المنطقة لازالت تتفاعل.. وأخرجت جيلا مقاتلا في سوريا والعراق وليبيا واليمن.. وجيلا مفكرا وباحثا في مصر وتونس وغيرها.. كنا من هؤلاء الذين قلبوا الطاولة.. وأما من بدءوا البغي فلن يستطيعوا حسم عواقبه.. ومن زرع الريح في أرضه لا بد أن يحصد الزوبعة”.
الغضب
أول لقب ليوم الجمعة ومن بعدها توالت الألقاب، كانت أول جمعة تحصل على لقب؛ واختارت “الغضب” لقبا بين مئات الجمع التي توالت على مصر بألقاب مختلفة، كجمعة الكرامة وجمعة الرحيل، وغيرها من الجُمع التي رفعت شعارات ومطالب مختلفة، العامل المشترك بينها هو اندلاع التظاهرات عقب صلاة الجمعة.
كان سبب اختيار الثوار ليوم الجمعة لإعلان غضبتهم في 2011، كونه يوم عطلة رسمية، يسمح بخروج أعداد كبيرة من المتظاهرين يتجمعون في وقت واحد عقب انتهاء صلاة الجمعة، ومن بعدها صار هذا اليوم قبلة الثوار بمختلف اتجاهاتهم منذ الحكم العسكرى فى الفترة الانتقالية، مرورا بفترة حكم الإخوان، وصولا للفترة الانتقالية الحالية عقب 30 يونيو.
“كوبرى قصر النيل” ملحمة مصرية لن ينساها التاريخ، هتاف واحد لم يكن الاتفاق عليه معلنا، أصوات علت لرج كوبرى “قصر النيل” بمن فوقه من قوات احتشدت على المخارج تاركة للثوار حرية التقدم داخل فخ مدرعات الأمن المركزي، مسافة قصيرة فصلت بين الصفوف الأمامية وطلقات الرصاص الحي وقنابل الغاز التي ارتفعت أدخنتُها لرسم لوحة تقفز إلى مخيلتك بمجرد ذكر يوم “جمعة الغضب”، وملحمة “كوبرى قصر النيل” على وجه التحديد، مشهد لمدرعات الأمن التي اخترقت صفوف المتظاهرين، وآخر لخراطيم المياه التي انهمرت على المصلين، ومشاهد أخرى تنوعت بين رصاص حي اخترق الأجساد عشوائيًّا، وأدخنة ارتفعت فوق الرؤوس ومدرعة دهست المتظاهرين، وغيرها من المشاهد التي رسمت ملحمة هي الأعظم في تاريخ الثورة، وتركت لكوبري قصر النيل مكانًا ثابتًا في فصول تاريخ ثورة 25 يناير.