“سعر الجنيه سيشهد تحركات أكبر في الفترة المقبلة”، عبارة وردت في سياق حديث طارق عامر محافظ البنك المركزي مع شبكة بلومبرج، تحمل إفشاء للأسرار القومية للأجانب تعودت عليه حكومات الانقلاب التي يجلبها العسكر، تأتي تصريحات عامر الذي قتل عمه “عبد الحكيم” على يد زعيم النكسة جمال عبد الناصر، وكأنها إغراء اقتصادي مع اقتراب حصول العسكر على الدفعة الجديدة من قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار على 3 سنوات.
ونستطيع وصف نوفمبر 2016 في تاريخ الاقتصادي المصري بـ ” نوفمبر الأسود ” حيث وقع عسكر الانقلاب إتفاقاً مع صندوق النقد الدولي تحصل مصر بمقتضاه علي قرض قيمته 12 مليار دولار تصرف علي دفعات وفقاً للالتزامات التي وقعت عليها عصابة السيسي، وبمجرد توقيع الاتفاق صدر قرار التعويم الكامل للجنيه فقفز سعره من 8 جنيهات إلي 20 جنيه وتفجرت موجة من الغلاء وارتفاع الأسعار المتصاعد لازلت مستمرة حتي الآن ولا يوجد أفق لتراجعها في المستقبل القريب.
إفشاء أسرار
من جانبه يقول الصحفي أسامة الكرم:” طارق عامر يفشى اسرار الامن القومى للخواجات طارق عامر صاحب ومدير البنك المركزى يبشر الخواجات فى تصريح باقتراب زيادة سعر الدولار .. حد يفهمه انه يفشى اسرار عمله ويكشف اسرار الامن القومى فهو يهدد الاستقرار لأن تصريحه سينعش السوق السوداء معلش ياماسريين استحملوا خازوق جديد فى الطريق للتحريك الجنيه .. الموضة الجديدة تحريك الجنيه بعد تعويم الجنيه”.
ومن المضحكات المبكيات تصريحات كريس جارفيس رئيس بعثة صندوق النقد لدى مصر والشرق الأوسط، في يناير 2017، إن سعر صرف العملة في مصر انخفض أكثر مما توقعه الصندوق بالنظر إلى العوامل الأساسية، كما ان شروط القرض لم تعلنها حكومة الانقلاب كما يحدث في العديد من دول العالم، ولكن سربها صندوق النقد الدولي لنعرف من الإعلام العالمي الشروط المجحفة التي وقع عليها عسكر الانقلاب، والتي أدت لكل ما نعانيه من مشكلات.

صرف العسكر شريحتين من القرض في نوفمبر ومارس الماضيين وتستحق الشريحة الثالثة وقيمتها 2 مليار دولار في نوفمبر القادم علي ضوء نتائج تقرير التقييم والمراجعة الثاني والذي يحلل الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها العسكر ومدي التزامهم بتعهداتهم في اتفاقية القرض.
توقع الصندوق أن يصل الدين العام الخارجي إلي اكثر من 102.4 مليار دولار ( 1843 مليار جنيه)، أما نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي فقد توقع الصندوق أن ترتفع من 14% في العام المالي الماضي إلى 22.9% في العام المالي الحالي، ثم تستقر ما بين 25.9% و28.2% خلال الأربعة أعوام القادمة وبحلول عام 2020/2021.
إفلاس مصر
سرب الكونجرس الأمريكي تقريرا في فبراير 2017 يتحدث فيه عن احتمالات إفلاس مصر وكيف يمكن مواجهة هذه الأزمة، ولكن حكومة الانقلاب استمرت في تنفيذ تعهداتها لصندوق النقد الدولي، لذلك فإن تشريعات مثل تحصين العقود الحكومية وقانون الاستثمار وقانون الخدمة المدنية وقانون القيمة المضافة وقانون عزل رؤساء الأجهزة الرقابية هي كلها املاءات من المقرضين الكبار وعلي رأسهم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس.
وكلما توسع العسكر في الاقتراض فقدت مصر السيادة علي قرارها الوطني، وأجبرت علي الركوع أمام المخططات الأمريكية الإسرائيلية للشرق الأوسط الجديد، ففخ الديون هو كارثة تطيح بالاستقلال الوطني ويدفع تكلفتها المصريين الفقراء في تكلفة معيشتهم وفرص عملهم .
وعندما أغرق الخديوي إسماعيل مصر في الديون خلال حكمه الذي أمتد 16 سنة، والديون التي اقترضها ليجعل مصر قطعة من أوروبا ظلت مصر تسددها حتي عام 1942، وأرسل الدائنون مفتشين دائمين لدي وزارة المالية المصرية أحدهم انجليزي والآخر فرنسي، وكان ذلك مقدمة للتدخل في الشئون المصرية والتي انتهت بتعيين اللورد كرومر معتمداً علي مصر، وقد حذر الاقتصاديين الوطنيين منذ شهور بمخاطر عودة صندوق الدين والمندوب السامي، ونفت حكومة الانقلاب ذلك.
وحذر الكثير من الاقتصاديين والقوي الوطنية والديمقراطية من انفلات الاستدانة، وما يترتب عليها من نتائج، حيث تعكس البيانات والأرقام المعلنة وجود توجه لعصابة السفيه السيسي، لإغراق مصر في المزيد من الديون المحلية والخارجية، وان بعض القروض تتم بضمان أصول مصرية، وأن السيادة الوطنية كلها معرضة للخطر.
وكما علم المصريون بأنباء لقاء السفيه السيسي ونتنياهو والحسن في العقبة من الإعلام الأجنبي، وعرفوا تفاصيل التزامات مصر في اتفاق قرض الصندوق من الإعلام الأجنبي، عرفوا أيضا خبر تعيين السيد رضا باقر مندوب مقيم من صندوق النقد الدولي في مصر من الإعلام الخارجي.
لذلك تكاثرت التساؤلات لمعرفة شخصية المندوب السامي الجديد، كما كشف الدكتور فخري الفقي الخبير السابق بالصندوق، أن وجود مندوب للصندوق في مصر ليس المرة الأولي، فقد سبق وجود مندوب للصندوق في مصر خلال الفترة من عام 1991 وحتى 1997، في عهد حكومة عاطف صدقي لمتابعة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي.

من هو؟
وكان الإعلان عن تعيين مندوب دائم للصندوق في القاهرة، قد أثار مخاوف من تدخل مباشر في صنع السياسات أو القرارات التي يقترفها العسكر، وهو الأمر الذي انتقده عدد كبير من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن من هو رضا باقر؟
هو باكستاتي، يقال إنه شيعي، حاصل على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا وبكالوريوس الآداب من جامعة هارفارد، وهو متخصص في قضايا الديون السيادية، وإدارة التدفقات الرأسمالية، وتحليل قابلية الاقتصاديات في الأسواق الناشئة، ويعمل باقر منذ 17 عامًا بصندوق النقد الدولي في مناصب متعددة، منها رئيس لبعثات رومانيا وبلغاريا، إلى جانب تعيينه في وقت سابق ممثلًا مقيمًا للصندوق في الفلبين.
وعندما واجهت رومانيا أزمة اقتصادية كبيرة عام 2009، لجأت إلى تلقي المساعدات والقروض من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، واقترضت 20 مليار يورو، وتبنت الحكومة خطة تقشفية لخفض عجز الموازنة الذي وصل إلي 7.2% من الناتج المحلي لإيصاله إلي 6.8% في 2010 ثم 4.4% في 2011، وشملت الخطة التقشفية الاستغناء عن 70 ألف موظف حكومي وخفض الأجور.
كما وضعت رومانيا نظاما ضريبيا بالاتفاق مع صندوق النقد أثر بشكل مباشر على الطبقات الفقيرة في البلد، وعندما حاولت رومانيا تعديل النظام الضريبي للتخفيف من معاناة الطبقات الأشد فقرا بخفض ضريبة القيمة المضافة علي السلع الغذائية الرئيسية من 24% إلى 5% وإلغاء الضرائب المفروضة على رواتب التقاعد الأقل دخلا، اعترض صندوق النقد بحجة أن التعديل يخل بالخطة التقشفية للبلاد ويضاعف عجز الموازنة.
المثير أن رومانيا لا تزال حتى الآن تعيش وضعا اقتصاديا مترديا، وسياسيا غير مستقر، والمظاهرات ضد أداء الحكومة المتردي، وعدم مكافحتها للفساد كانت مستمرة حتى وقت قريب، بفضل تطبيق توجيهات السيد رضا باقر وصندوقه، ويؤكد مراقبون أن تعيين رضا باقر مندوب مقيم للصندوق في مصر، يعكس عدم ارتياح صندوق النقد الدولي للخطوات التي تطبقها حكومة الانقلاب، والضغط من أجل الإسراع في وتيرة تنفيذ “روشتة التركيع”، والتي تعمل علي المزيد من الإفقار والتبعية.
إن وجود مندوب دائم للصندوق يتابع ويراقب كل تصرفات حكومة الانقلاب، لا يمنع وصول بعثات متتالية للرقابة من الصندوق، واستمرار سياسات الاقتراض المحلي والخارجي، وإهدار الموارد الطبيعية، وتفريط العسكر في الأصول المملوكة للدولة، هو جزء من خطة إفقار وتركيع مصر، والتي تنفذها حكومات الانقلاب المتعاقبة بكل دقة، ويراقب الصندوق سرعتها وقوتها، حتي أصبحت مصر مجرد لاعب ثانوي في مخططات الشرق الأوسط الأمريكي الصهيوني الجديد، ويظل المصريين يدفعون ثمن التبعية الباهظ وحدهم.