“آلو ازيك يا حمادة.. هنا مكتب وزير الدفاع يا بني اقفل السكة!!”.. من الإشارة والهمس بالتجسس على مكالمات المصريين في شبكات الاتصالات الثلاث (اتصالات وفودافون وأورانج)، إلى شرعنة الجريمة بنص القانون، حيث أثار قرار مصطفى مدبولي، الظهير المدني للعسكر، بالموافقة على الترخيص لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع للقوات المسلحة بتأسيس شبكة اتصالات، العديد من المخاوف حول تنصت الجيش على أسرار وحكايات المصريين، بحيث لا تبقى حرمة لأحد.
وحصل الجيش، الذي تتشعّب استثماراته ويهيمن على الاقتصاد في مصر، على ترخيص بتأسيس شركة مساهمة لإقامة وإدارة وتشغيل وصيانة محطات وشبكات الاتصالات اللاسلكية والسلكية والأقمار الصناعية، لتصبح الشركة الخامسة في السوق المصرية.
وتخوّف مختصون أن تمر مكالمات المصريين عبر “ودان السيسي”، واعتبروا أنه ضمن رغبة العسكر في التحكم بخدمات البث الفضائي والإنترنت، وفي هذا السياق يؤكد الخبير الاقتصادي سمير أبو الخير أن القرار “يتيح للجيش السيطرة التامة على شبكات الاتصالات الأرضية والمحمولة، وكذلك حقه في إطلاق وتأجير محطات البث الفضائي، والأقمار الصناعية”.
وتقدّم حقوقيون فرنسيون بدعوى ضد شركة فرنسية، بعد تحقيق صحفي أثبت تزويدها للسفيه السيسي، بوسائل تجسس متطورة بتمويل إماراتي، واعتبر الحقوقيون أن ما قامت به الشركة يُعد مشاركة في التعذيب والاختفاء الممارس بحق المعارضين للانقلاب في مصر.

مليارات بالعبيط!
ويشير أبو الخير إلى أن معدل النمو بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال عام 2018، وصل إلى 80 مليار جنيه بزيادة قدرها عشرة مليارات جنيه عن عام 2017، وقد استحوذت الشركة المصرية للاتصالات، المملوكة للدولة، على النصيب الأكبر من صافي أرباح هذا القطاع، بقيمة 5 مليارات جنيه.
ويوضح أن هذه الأرقام “لا شك أنها أغرت القوات المسلحة التي توسعت خلال السنوات الماضية في منافسة الشركات المدنية داخل السوق المصرية، سواء في مجال العقارات الذي أصبح الجيش المستثمر الأول فيه بدون منازع، أو في مجال توريد الخدمات الحكومية التي تستولي عليها وزارة الإنتاج الحربي بأمر مباشر من رئيس نظام الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وكذلك قطاع الإعلام الذي أصبح مملوكًا بنسبة 80% لشركات الأجهزة المخابراتية”.
من جهته، يرى عضو مجلس الشعب السابق طارق مرسي، أن السيسي “يقدم المزيد من المميزات لصالح قيادات الجيش، في إطار خطته بأن الجيش هو مالك مصر وأنه صاحب هذا البلد، ومن حقه الاستفادة من كل جنيه بجيوب المصريين، وهي الخطة التي تهدف في الأساس لإغراء الجيش، حتى لا يفكر مرة أخرى بالعودة إلى الثكنات”.

انتهاك الحرمات
ويرى أن “توسع تواجد الجيش في المشروعات الخدمية يمثل خطرًا على المؤسسة العسكرية والاقتصاد المصري على حد سواء؛ لأنه يخرج بالقوات المسلحة عن الدور الأساسي لها وهو الدفاع عن الحدود وحمايتها، لأن تكون هي المستثمر الأساسي في كل القطاعات بمصر، بما سيكون له تأثير سلبي واضح على جذب الاستثمارات الأجنبية التي ستجد نفسها أمام منافس يمتلك القوة والمال في نفس الوقت”.
بدوره، انتقد عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب السابق، أسامة سليمان، القرار ووصفه بالخطير، وقال إن “الخطورة تتمثل في انتهاك خصوصية المعلومات، والكل يعلم ما يحدث الآن لأي معارض من نشر خصوصياته التي سبقها التجسس عليه”.
وأضاف أن “الأمر ليس مجرد شركة اتصالات بقدر ما هو مزيد من السيطرة على الشعب من خلال التنصت عليه، والتدخل في شئونه، وتوجيهه في الاتجاه الذي يريده النظام الحاكم باستغلال بيانات المواطنين”، ولفت إلى أن “الإصرار على تخطي الجيش لمهامه المنصوص عليها في الدستور هدفه التغول والسيطرة على كل مقومات الدولة، والانتقاء في المشاريع ذات العائد المبالغ فيه وفوق رقابة الدولة، أو محاسبتها تجاه أي مخالفة ترتكب”.
والعسكريون أيضا!
واطلعت بوابة “الحرية والعدالة” على معلومات تفيد بتعرض قيادات وضباط الجيش لعمليات تنصت ومراقبة بشكل دوري، على يد المخابرات الحربية التي يديرها السفيه السيسي نفسه، وسط استياء كبير من تنامي عمليات التجسس، وصولا إلى رصد ومتابعة أحوالهم الشخصية والعائلية.
وقالت مصادر عسكرية مطلعة: إن “عمليات المراقبة تزايدت منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، حتى طالت زوجات أصحاب الرتب العليا في صفوف الجيش، كما امتدت إلى رصد صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي وهواتفهم الجوالة”.
وكشفت المصادر - التي اشترطت عدم ذكر اسمها أو رتبها - عن أن “جنرالات وضباط الجيش تخلصوا من هدايا تم تقديمها لهم داخل وحداتهم، في مناسبات مختلفة، خشية احتوائها على أجهزة تنصت دقيقة، أو كاميرات مراقبة صغيرة الحجم فائقة الجودة، قد تنقل أسرار حياتهم الشخصية بما يورطهم في أزمات كبيرة”.
ومن أبرز الهدايا التي أثارت القلق داخل صفوف الجيش المصري، “ساعات اليد”، الأمر الذي دفع الكثيرين ممن تلقوها إلى التخلص منها سريعا، ومنذ استيلاء السفيه السيسي على الحكم في 3 يوليو 2013، يتم تداول تقارير عن اعتقال ضباط في الجيش، خشية حدوث تمرد على الجنرال الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك، ويقول معارضون إن الضباط المغضوب عليهم يتم التخلص منهم إما بإرسالهم إلى كمائن ونقاط تفتيش في مناطق عالية الخطورة بشمال سيناء، أو تصفيتهم وادعاء مصرعهم في اشتباكات غامضة غالبا ما يقول إعلام العسكر إنها تمت مع عناصر إرهابية.