“كلام مصر الممنوعة من الكلام، وصحافتها التي لا تصدر، وكتّابها الذين لا يكتبون”، وصف اختاره شاعرنا الراحل نزار قباني، للحديث عن “سعد حلاوة”، أول ضحايا التطبيع السياسي مع العدو الصهيوني وافتتاح سفارة له في القاهرة، خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات، بعد توقيع معاهدة السلام.
وتمر اليوم الثلاثاء 26 فبراير ذكرى استشهاد سعد حلاوة، الذي ربما استمع يوما لكلمات الشاعر الراحل فؤاد حداد “كون البادئ كون البادئ، كل فروع الحق بنادق، غير الدم محدش صادق”، فاختار أن يكون رفضه للوجود الصهيوني في القاهرة، “عمليا”، مخلوطا بدمه، حمل بندقيته، ووجه نيرانها، ونار غضبه، إلى ما اعتبرها ممثلا للسلطة، وجهها لمقر الوحدة المحلية في بلدته الفقيرة، بمحافظة القليوبية، بينما كان الرئيس السادات يستقبل أول سفير صهيوني بالقاهرة “إلياهو بن أليسار”، وربما دون أن يعلم كان ذلك حجر الأساس لما سمي في عهد جنرال إسرائيل السفيه السيسي بـ”صفقة القرن”.

يقول الإعلامي محمد ناصر مقدم برنامج مصر النهاردة على قناة مكملين:” زي النهاردة استشهد سعد حلاوة برصاص الشرطة المصرية وهو بيصرخ ضد وصول أول سفير صهيوني لمصر..وبعدها شوفنا سليمان خاطر وتنظيم ثورة مصر ضد الصهاينة..لكن بعد أربعين سنة بنشوف كوشنر وهو بيعلن ملامح صفقة القرن للقدس او اللاجئين..والغريب إن الكل صامت.. يا ترى ايه الفرق بين زمان ودلوقتي؟”.
مات مرتين
احتجز سعد حلاوة، اثنين من موظفي الوحدة المحلية، تعبيرا عن رفضه لما أقدم عليه السادات، وأبلغ الموظفين بأنه لن يمسسهم بأذى، فانتقلت قوات الأمن إلى قريته “أجهور الكبرى”، بل انتقل وزير الداخلية الأسبق النبوي إسماعيل إلى القرية نفسها، ليتفاوض مع “حلاوة” بمكبرات الصوت.
وحذر سعد، وزير الداخلية من محاولة اقتحام قواته لمقر الوحدة المحلية، مطالبا بطرد السفير الصهيوني من مصر، وإغلاق مقر السفارة، متعهدا بأن يسلم الرهائن، ويسلم نفسه بعدها للشرطة.
رفض السادات مطالب الفلاح المصري الغاضب لدماء أبطال سيناء، وطالب وزير داخليته بأن يتعامل معه معاملة المجرمين، فأحضر الوزير والدة سعد، التي بكت بدورها وطالبت نجلها بترك السلاح، إلى جانب صوت خطيب مسجد القرية الذي كان لا يختلف عن الشيخ ياسر برهامي أو علي جمعة، وهو يفتي بحرمة ما يفعله سعد، وفي الليل، غافله أحد القناصة وهشم جمجمته بدفعة رصاص.
ذلك القناص الذي افتتح مسيرة قتل المصريين، التي مرت بمجازر كثيرة منها رابعة والنهضة، ومات حلاوة مرتين، بالرصاص أولا، وبتشويه سمعته مرة أخرى، حيث صنفه أطباء قصر العيني، بعد موته، على أنه “متخلف عقليا”، بينما رثاه نزار قباني تحت عنوان “صديقي المجنون سعد حلاوة”، بقوله “مجنون واحد فقط خرج من هذه الأمة العربية، الكبيرة العقل، المتنحسة الجلد، الباردة الدم، العاطلة عن العمل.. فاستحق العلامة الكاملة، في حين أخذنا كلنا صفرا.
مجنون واحد تفوق علينا جميعا، واستحق مرتبة الشرف في ممارسة الثورة التطبيقية، في حين ظل إعلام العسكر في نطاق التجريد والتنظير، هذا المجنون العظيم اسمه سعد إدريس حلاوة”، مات الفلاح سعد حلاوة، وبقي علم إسرائيل “مطعونا” في قلب القاهرة لعقود، حتى تمكن فلاح آخر من محافظة الشرقية، هو الشاب أحمد الشحات، من إسقاط العلم الصهيوني عن مقر السفارة، عقب ثورة 25 يناير 2011، ليؤكد أن رغبة سعد حلاوة مستمرة في دماء المصريين، جيلا بعد جيل.
السمسار
هو الوسيط بين البائع والمشتري، وظيفته تسهيل الصفقة، وأما الصفقة فهي “صفقة القرن” التي يديرها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ومستشاره وصهره اليهودي الصهيوني جاريد كوشنر، من أجل فرض تسوية قسرية للصراع العربي الصهيوني، أما أطراف الصفقة، فكيان العدو الصهيوني ودول عربية لم يعد تطبيعها مع تل أبيب، ولا ملفها الاستبدادي بجديد على أحد.
ويشارك جنرال إسرائيل السفيه السيسي في هذه الصفقة، ويلعب دور “السمسار المهم”، الذي يحاول بتزكية من السعودية على ما يبدو، أن يلعب دور البديل عن السلطة الفلسطينية، وإقناع الأردن الخائف من تزعزع الأوضاع في البلاد، بإنجاز الصفقة، هذا باختصار أما التفاصيل فهي كثيرة.
يذكر أن مسارات صفقة القرن تتجه في مجملها إلى مقترحات إعلان عاصمة فلسطينية في بلدة أبو ديس إلى الشرق من القدس، ووفقًا لما نشرته صحيفة هآرتس فإن القائمين على الصفقة يريدون إبقاء البلدة القديمة في القدس تحت الإدارة الصهيونية، دون أي وعود حتى بالانسحاب من التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، بالإضافة إلى أن الدولة الفلسطينية المزمع تأسيسها، ستكون حسب الصفقة منزوعة السلاح ومن دون جيش ونصفها في شبه جزيرة سيناء المصرية.