العالم مثل قطعة القماش التي تتكون من نسيج معقد وخيوطه تتداخل في تقاطعات وتشابكات تنتهي بنتائج الأحداث، وما يظهر من هذا التشابك يمثل رأس أو قمة الجبل الجليدي التي تطفو على السطح، في حين أن ما خفي منه كان أعظم، وفجأة وبدون توقع وأثناء هندسة جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ترامب، لصفقة القرن على أرض الإسراء، تنفجر الأوضاع بين الهند وباكستان، عقب زيارة قام بها الأمير المنشار للدولتان النوويتان.
وقالت وسائل إعلام هندية إن مقاتلتين هنديتين أسقطتا بنيران باكستانية خلال عملية اعتراض فوق سماء كشمير الهندية، مما يزيد حجم التوتر بين الجارتين النوويتين ويعزز المخاوف من اندلاع حرب بينهما، في حين أكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن إسلام آباد “لا ترغب في التصعيد مع نيودلهي”.

تصعيد عبثي!
يقول الكاتب الصحفي الأردني من أصل فلسطيني ياسر الزعاترة:” باكستان تعلن هذا الصباح إسقاط طائرتين هنديتين فوق أراضيها، بعد تصدي مقاتلاتها لخرق سيادة أراضي البلاد. الهند هي التي بدأت بقصف مواقع داخل الأراضي الباكستانية، وكررت الخرق اليوم. عموما، لا مصلحة للطرفين في التصعيد، وإن تمنت ذلك أطراف أخرى، من بينها الكيان الصهيوني”.
ويضيف الزعاترة:” بومبيو، وفي موقف مفاجئ، يدعم ضربات الهند في إقليم كشمير، واصفا إياها، بأنها “عملية ضد الإرهاب”، رغم أن الهند اخترقت الأجواء الباكستانية. من الصعب أن يختلف موقف إدارة ترامب مع موقف تل أبيب، لكن حسابات واشنطن حاضرة هنا أيضا في ظل منظومة الصراع الدولي الجديدةمع الصين وروسيا”.
ويقول الإعلامي القطري ورئيس تحرير صحيفة “الشرق” السابق جابر الحرمي:” تصعيد عسكري خطير بين باكستان والهند أسفر عن قتل مدنيين من الجانب الباكستاني بفعل استهداف هندي .. فيما أقدمت باكستان على إسقاط مقاتلتين هنديتين اخترقتا مجالها الجوي ..التصعيد العسكري بين البلدين جاء بعد أيام قلائل من زيارة ولي عهد السعودية لكل من باكستان والهند”.
أما عن العلاقة بين صفقة القرن وما يجري بين باكستان والهند، فبقليل من الربط وتحليل توقيت زيارة يقوم بها جاريد كوشنر صهر ترامب، والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط جايسون جرينبلات، وعدة دول خليجية لتسريع خطوات “صفقة القرن”، ربما يقع على عاتق أمريكا أن تطلق قنبلة دخان على عادة ما يفعله لصوص المصارف، حتى تنتهي من سرقة الأراضي العربية في فلسطين وسيناء.
ويقول المسئولون الأمريكيون إن جولة كوشنر في المنطقة تهدف إلى إطلاع دولها على الشق الاقتصادي لخطة السلام التي تعتزم إدارة ترامب الإعلان عنها بعد الانتخابات الإسرائيلية في أبريل المقبل، والمعروفة إعلاميا باسم “صفقة القرن”.
من إيران إلى الهند وباكستان
لا يمكن لهذه المفاهيم الملتوية أن تدّعي صنع سلام، فضلاً عن كونها تفترض خطأً أن العرب وافقوا على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل طالما أنهم لم يتداعوا لمحاربته، وأنهم سيوافقون على صفقة القرن مهما كانت مجحفة طالما أن أمريكا مصرّة على فرضها، وفي مؤتمر وارسو تربط واشنطن بين مواجهة إيران وطرح الصفقة وكأن هذا هو التوازن الذي يمكن العرب توقّعه من إدارة ترامب على ما فيه من منحى ابتزازي مكشوف.
كانت مصادر أمريكية ومراجع عربية عديدة قد أشارت مراراً إلى ضرورة تصحيح ما أحدثه انحياز قرار القدس من اختلال في توازن السياسة الأمريكية حيال العرب والفلسطينيين، غير أن واشنطن وإسرائيل ردّتا على ذلك بأسوأ المواقف وبالعمل على قطع المساعدات والموارد عن الفلسطينيين.
ثم جاءت التسريبات عن تحسينات لشروط الصفقة، وتضمّنت إقامة دولة فلسطينية على نحو 90 % من الضفة وعاصمتها القدس الشرقية، من دون أن تشمل الأماكن المقدسة وقطاع غزّة الذي يحاصره جنرال إسرائيل السفيه السيسي، هذا يعني أن إدارة ترامب تعرض الدولة الفلسطينية، لمقايضة ولا تتبنّاها أساساً للسلام، وبالتالي فإن الأطروحة الكوشنرية باقية على سيئاتها ولا تزال بعيدة عن أي توازن.
واقتسمت الهند وباكستان إقليم “كشمير” ذا الأغلبية المسلمة بعد نيلهما الاستقلال عن بريطانيا عام 1947، وخاضا في إطار النزاع عليه اثنتين من الحروب الثلاث التي اندلعت بينهما أعوام 1948 و1965 و1971، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الجانبين.