كواليس أكتوبر.. لماذا ذهب السادات إلى المهزوم وطلب منه السلام؟

- ‎فيتقارير

اعتادت عصابة كامب ديفيد التي تحكم مصر الاحتفال بذكرى السادس من أكتوبر كل عام تخليدا لانتصار الجيش المصري على جيش الاحتلال الصهيوني في هذا اليوم عام1973، فدعونا نتساءل: هل حقاً انتصر الجيش المصري على الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب؟، يقول بعض المراقبين إذا قال لك أحدهم أن تمثيلية أكتوبر نصر قل له أن المنتصر لا يذهب إلى المهزوم ليطلب منه السلام، قل له أن المنتصر لا يُؤسر من جيشه 8031، قل له أن المنتصر لا يحاصر له جيش قوامه 45 ألف جندي وضابط، قل له أن المنتصر لا يبدأ حرباً ليحرر منطقة ليجد عدوه على بعد أقل من 100 كيلومتر من عاصمته، قل له أن المنتصر لا يبدأ حرباً لتحرير منطقة محتلة أبعد, ليجد نفسه بعد أيام يوقع اتفاق فك اشتباك على بعد 100 كيلومتر من عاصمته!.

على الرغم من أن الجانب الصهيوني قد خسر أكثر من 2200 جندي، وفي الجانب المصري، كان عدد المفقودين أعلى بكثير مما لدى الصهاينة، حيث ارتفع عدد خسائر الجنود المصريين إلى 10000 جندي، عند انتهاء الحرب، وقف جيش الاحتلال الصهيوني على مسافة قصيرة من القاهرة ودمشق، بينما الجيش المصري هو من طلب وقف إطلاق النار.

ولأن العبرة بالنهايات وليست بالبدايات اعتبر التاريخ غزوة أحد هزيمة للمسلمين رغم الانتصار الساحق لصالح المسلمين في بداية المعركة وفرار المشركين تاركين أموالهم ونسائهم خلفهم، لكن تغير الأمر تماماً بعد ذلك بسبب الثغرة التي فطن لها سيدنا “خالد بن الوليد” وكان مشركاً وقتها، فتحول الموقف تماماً وانتصر المشركون في النهاية.

ثغرة أحد!

كانت حرب أكتوبر كغزوة أحد انتصار في البداية في يوم ٦و ٧ أكتوبر، ثم في الأيام من ٧ حتى ١٤ أكتوبر اكتفت القيادة المصرية بالمحافظة على الوضع الذي كانت عليه، ولم تحاول تنفيذ الجزء الثاني من الخطة كما ذكر هذا المؤرخ العسكري “جمال حماد” في كتابه (المعارك الحربية على الجبهة المصرية).

يقول حماد: “والأمر الذي يمكن إدراكه بوضوح من تحليلنا لسير الوقائع والأحداث خلال الأيام الأولى من الحرب، أن القيادة المصرية بعد نجاحها في تحقيق المرحلة الأولى من الخطة “بدر” وهى اقتحام قناة السويس وتحطيم خط بارليف وإنشاء منطقة رءوس الكباري على منطقة ١٠ -١٢ كم شرق القناة، لم تفكر جدياً في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الهجومية الموضوعة”.

مضيفصا: “إذ لو كان هذا الأمر موضع تفكيرها حقاً، لسارعت باغتنام فرصة تركيز إسرائيل لمجهودها الرئيسي ضد الجبهة السورية في الشمال، وفرصة ما صادفه الهجوم المضاد الرئيسي لإسرائيل أمام قوات الجيش الثاني المصري يوم الاثنين ٨ أكتوبر من فشل ذريع، وما منيت به القوات المدرعة الإسرائيلية من خسائر فادحة في الدبابات في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، لتقوم بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة بدر، ولبادرت بإصدار الأمر لقواتها بالتقدم يوم ٩ أكتوبر على أكثر تقدير باتجاه الشرق للاستيلاء على خط المضايق الجبلية الإستراتيجية”.

وأردف حماد قائلاً:”إذ أن هذا كان أفضل توقيت ممكن لتنفيذ هذه العملية خلال أيام الحرب كلها. أما القرار السياسي الذي صدر بتطوير الهجوم شرقا يوم ١٤أكتوبر، فعلاوة على ما شابه من خطأ من ناحية التوقيت كما أوضحنا، فإن خطة التطوير ذاتها التي أصدرتها القيادة العامة لتنفيذ هذا القرار كانت تختلف تماما عن خطة التطوير الأصلية التي كانت تضمنها الخطة جرانيت المعدلة “بدر” والتي أجريت على أساسها عملية تنظيم التعاون على جميع المستويات، والتي أطلق عليها اسم المرحلة الثانية”.

ثغرة الدفرسوار

وكما كانت ثغرة الصعود على الجبل مكان رماة المسلمين نقطة تحول في سير غزوة أحد لصالح المشركين كذلك كانت ثغرة الدفرسوار نقطة تحول في حرب أكتوبر لصالح إسرائيل ، ولننقل هنا كلام الفريق “عبد المنعم خليل” الذي كلف بقيادة الجيش الثاني الميداني في هذه الفترة الحرجة خلفاً للفريق “سعد مأمون” بعد إصابته بأزمة قلبية، يقول الفريق: “فمنذ صباح هذا اليوم -يقصد يوم 16 أكتوبر- وصلتنا أنباء تفيد بتسلل 7 دبابات للعدو غرباً من عند منطقة الدفرسوار، ولم أصدق نفسي ساعتها، فبعد النصر الكبير الذي حققناه ابتداء من يوم 6 أكتوبر 1973 وأيام 7 و 8 إلى فترة الوقفة التعبوية -والتي طالت بلا داعي- مروراً بقرار تطوير الهجوم شرقاً والذي جاء بأوامر من الرئيس السادات شخصياً وكان قراراً سياسياً محضاً ولم يكن عسكرياً في شيء، والذي تسبب في تدهور الموقف ابتداءاً من ليلة 13 أكتوبر 1973 ويوم 14 و 15 حتى صباح 16 أكتوبر فقد كان الموقف حرجا”.

ومن عجيب الأمر أنه تم إرسال الفريق “عبد المنعم خليل” لقيادة الجيش الثاني دون إعطاءه معلومات كافية عن الوضع هناك، فقد صرح:”وبالطبع لابد أن يكون للعدو في اللحظات الأولى من صباح 16 أكتوبر 1973 قوة لا تقل عن لواء مشاة ميكانيكي مدعم بالدبابات كما أن سيطرة العدو الجوية في منطقة الدفرسوار كانت كاملة ولم يشر الفريق سعد الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة لي عنه شيئاً، ولا حتى نائب رئيس هيئة العمليات، وحتى ما حدث من قوة اللواء 116 مشاة ميكانيكي في الكمين لم تعلم القيادة العامة به إلا بعد مدة طويلة وتساءلت ساعتها ..أين نشاط قواتنا الجوية ؟”.

يقول الفريق “سعد الشاذلي” في مذكراته:”لقد طالبت حقاً بسحب جزء من قواتنا من الشرق إلى الغرب، وكانت مطالبتي بهذه العملية يوم 19 أكتوبر هي خامس محاولة لإنقاذ الموقف. إن شرف القوات المسلحة المصرية وتاريخها الرائع الذي كتبته بدمائها في أكتوبر 1973 يتطلبان منا أن نحدد من هو المسئول الحقيقي عن حدوث الثغرة، ولماذا لم تدمر في حينها؟ ومن هو المسئول الحقيقي عن حصار الجيش الثالث؟ “.

جريمة لا تغتفر

ويضيف الشاذلي:”إن حصار الجيش الثالث جريمة لا تغتفر، وإني أتهم السادات بأنه هو المسئول الأول عنها. لقد رفض السادات وقف إطلاق النار عندما كنا في موقف قوة، وطلب وقف إطلاق النار عندما أصبحنا في موقف ضعف، لقد كان اقتراحي الخاص بسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق ليلة 19/20 أكتوبر، هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرف العسكري المصري، لقد فقدنا المبادرة نهائياً بعد ذلك وحتى نهاية الحرب”.

ونكتفي هنا بكل ما أوردناه من كلام القادة الذين شاركوا في الحرب والمؤرخ العسكري “جمال حماد” عن إثبات أن حرب أكتوبر كانت هزيمة لا انتصاراً؛ فنهايتها ليست بأيدينا، ولم ننتصر فيها، ولعل المعاهدات التي تلت هذه الحرب ووضع سيناء إلى الآن خير دليل أنه يستحيل أن يكون شخصاً منتصراً ويقبل بمثل هذه المعاهدات والأوضاع.

وهناك كلام وروايات كثيرة لقادة آخرين شاركوا في حرب 1973، تثبت أيضا أن هذه الحرب كانت هزيمة، كالفريق “عبد المنعم واصل” وأيضاً “السادات” نفسه، لكن المجال لا يتسع لذكرها هنا وأترك هذا الأمر للقراء ليبحثوا ويعلموا الحقائق، فمهما زور التاريخ فلا بد أن تظهر الحقيقة يوما ما.