على مدار ما يزيد عن خمس سنوات لم تتوقف آلة القتل العسكرية في مصر، وقودها الثوار وعصابة السفيه عبد الفتاح السيسي، وبدايتها مجزرة بشعة لم تحدث من قبل في التاريخ نقلتها شاشات العالم على الهواء مباشرة من رابعة والنهضة، لم يرمش خلال المجزرة أو بعدها جفن للأمم المتحدة، ولا للدول التي تدعي الديمقراطية، وكأن دماء المصريين مجرد سيل من المطر سرعان ما يجف، لا إدانة ولا وقفة مع القاتل، بل خرج بعدها بخمس سنوات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يصف السفيه بأنه “قاتلٌ لعينٌ”، حسبما ورد في كتاب “الخوف” للصحفي الأمريكي بوب وودورد.
رُفعت الأشلاء في رابعة والنهضة ودفن الشهداء بعضهم في المقابر وبعضهم دفن جماعي في مطارات ومعسكرات للجيش، وأرسلت الفرق لغسل الدماء التي تشبثت بالأسفلت ويبستها الشمس، أما في موضوع الصحفي السعودي القتيل جمال خاشقجي، فالأمر يختلف، فقد نقلت فضائية “الجزيرة” القطرية عن مصدر بمكتب المدعي العام التركي، أن العينات التي عثر عليها المحققون الأتراك بمنزل القنصل السعودي محمد العتيبي متطابقة مع العينات في مبنى القنصلية والتي رفعت أثناء تفتيشها، وهو ما يفضح هوية القاتل.

المقال الأخير
وبعد تأكدها من مقتله، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” آخر مقال لـ”خاشقجي” كان قد أرسله للنشر قبل اختفائه في أعقاب دخوله مبنى قنصلية بلاده في إسطنبول، ووفقا للمقال الذي تحدث فيه “خاشقجي” عن حرية الإعلام في الوطن العربي، فقد أكد على أنه “نتيجة غياب الحرية عن الشعوب، فإن الأمة لا تمتلك المعلومة أو تصلها معلومات مضللة، مشيرا إلى ان الروايات الرسمية الحكومية تسيطر على نفسيات العامة، “و رغم أن عديدين لا يصدقونها، فغالبية تسيطر عليهم تلك الروايات”.
وقال “خاشقجي” في مقاله، إنه ” بعد الربيع العربي كانت لدى الشعوب آمال التحرر من هيمنة حكوماتها، لكن سرعان ما تلاشت”، مشيرا إلى ما حدث مع الكاتب السعودي صالح الشحي الذي بعد أن كتب واحدا من أكثر الأعمدة شهرة في الصحافة السعودية، اعتقل وحكم عليه بالسجن ٥ سنوات.
وأكد “خاشقجي” أن ” أحداث مثل اعتقال الشحي و حجز سلطات الانقلاب في مصرعلى صحيفة “المصري اليوم”، لم تعد تحرك المجتمع الدولي، بل يقابلها استنكار يتبعه صمت تام”، ونتيجة للصمت الدولي على انتهاكات الصحافة والحرية في الوطن العربي، أوضح “خاشقجي” انه “أصبح لدى الحكومات العربية ضوءا أخضر لإسكات الإعلام بوتيرة متزايدة”.
وأكد المصدر أن تركيا طلبت من أمريكا عينات لدم الصحفي جمال خاشقجي لمطابقتها بالعينات التي عثر عليها، وأنهى فريقا التحقيقات التركي والسعودي تفتيش منزل القنصل السعودي محمد العتيبي بإسطنبول، في حين طلبت وزارة الخارجية التركية تولي مهمة الاتصالات مع السعوديين بشأن ملف اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

المجزرة
ومع فجر 14 أغسطس 2013 ارتكبت عصابات الشرطة مدعومة بقوات من الجيش مجزرة فض اعتصامي مؤيدين للرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب للبلاد، بميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة بعد أكثر من 48 يوما قضاها المعتصمون هناك، مما خلف آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين.
وبدأ الاعتصامان في 28 يونيو قبيل مظاهرات دبرتها المخابرات الحربية مع ما يسمى بـ”جبهة الإنقاذ” التي ضمت المناؤين لجماعة الإخوان المسلمين، قادت إلى قيام الجيش بانقلاب عسكري غدر فيه بالرئيس مرسي في 3 يوليو 2013 وعطل الدستور وحل مجلس الشورى المنتخب، وتلا وزير الدفاع حينها السفيه السيسي بيان الانقلاب، وبعد 11 شهرا أُعلن الاستيلاء على منصب رئيس الجمهورية.
وغرقت مصر منذ فضت قوات الأمن اعتصامي رابعة والنهضة في بحر من الدماء، ليسقط عقب ذلك مئات المصريين في التظاهرات المناهضة للانقلاب التي قوبلت بعنف من قبل عصابات الجيش والشرطة وميلشيات البلطجية التي اعتقلت الآلاف منهم.
ووصفت المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بأن عام الانقلاب هو “الأسوأ” على الحريات وحقوق الإنسان في مصر، وحلت البلاد في مراكز متأخرة في كثير من المؤشرات العالمية المتعلقة بالأمن والأمان والسلام، ولاقى الانحدار في مستوى الحريات والاعتداء على حقوق الإنسان في مصر استياء العديد من دول العالم، خاصة مع تكرار أحداث العنف، وإصدار القضاء العديد من الأحكام الجماعية بالإعدام والسجن المؤبد، ولم يحاسب القضاء حتى اليوم أيا من المسئولين عن المجازر التي حدثت بحق معارضي الانقلاب العسكري طوال الفترة الماضية.