التنويم.. لماذا غضب السيسي من خسارة الأهلي أمام الترجي؟

- ‎فيتقارير

امتلأت المقاهي في القاهرة والمدن الأخرى لمتابعة مباراة النادي الأهلي أمام شقيقه الترجي التونسي، بعدما جمعت بينهما أمس الجمعة مباراة نهائي أبطال إفريقيا، وعقب انتهاء المباراة بفوز الشقيق التونسي انتابت حالة من الحزن جماهير الأهلي عقب هزيمة فريقهم بثلاثية نظيفة، وخسارة لقب دوري أبطال إفريقيا، للعام الثاني على التوالي، الحزن تحول إلى غضب في قصر الاتحادية الذي تابع منه السفيه قائد الانقلاب النتيجة، بعدما كان يأمل بجرعة مخدر تسري في عروق المصريين تنسيهم الغلاء والفشل الأمني والاقتصادي ومتابعة سياسات القمع التي يجيدها الجنرال.

وحاولت سلطات الانقلاب تسخين الأجواء وشحن الشارع قبل المباراة، وسبق اللقاء قيام رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور بتوعد مذيع تونسي على الهواء مباشرة، بعدما تحول مقلب نصبته قناة تونسية خاصة لمنصور، إلى قضية شغلت إعلام العسكر، وتعتمد فكرة البرنامج التونسي على الاتصال بشخصيات مشهورة بهدف استدراجها في الكلام في موضوع معين لإضحاك الجمهور.

ولم يعد إلهاء الشعوب مجرد ألاعيب ديكتاتور مثل السفيه السيسي بهدف إخضاع الشعب، يتفوق فيها صاحب الدهاء، وإنما أصبح صناعة يخطط لها، وترصد من أجل نجاحها الأموال وتقام لها الدراسات والإستراتيجيات بعيدة المدى، واتصل أحد معدي برنامج” أمور جدية” الترفيهي، بمرتضى منصور موهمًا إياه بأنه مسئول في الترجي وسأله عن رأيه في حكم ذهاب مباراة نهائي دوري أبطال إفريقيا، ثم تحولت المكالمة إلى إطار ساخر استغل خلالها المذيع جهل ضيفه باللهجة التونسية واللغة الفرنسية.

مسرحية منصور

وحاول إعلام الانقلاب بتحويل المباراة التي تحظى بزخم واسع إلى معركة كما حدث مع الجزائر، في إطار مخطط من الانقلاب لإلهاء الشارع المصري وإشغاله عن أزماته المتزايدة، خاصة أن اللقاء سبقه تراشق لفظي بين إدارة الناديين، ودفع الانقلاب بالفنان أحمد السقا، الذي يؤدي دور السفيه السيسي في فيلم من إنتاج المخابرات الحربية، على التعليق على الأزمة المُثارة على مواقع “السوشيال ميديا”، بسبب سخرية المذيع التونسي من مرتضى منصور، الذي يشغل منصب نائب في برلمان الدم وأحد أذرع الانقلاب.

وقال الخبير النفسي أحمد عبد الله: إن ما صاحب لقاء نهائي دوري أبطال إفريقيا في تونس من تفاعل واسع يأتي على خلفية “حالة الإحباط والضجر التي تتملك الشعب المصري في المرحلة الأخيرة”، وأضاف:”مثل هذه الفعاليات تشكل فرصة للمصريين بشكل عام للهروب من تلك الحالة والعودة إلى مربع قديم أتقن التفاعل معه، وينطبق عليه في هذه الحالة المثل الشعبي المعروف “حينما يفلس التاجر يبحث في دفاتره القديمة”.

وتابع: “المصريون أدخلوا أنفسهم بشكل أو بآخر في حالة لم يعيشوا مثلها في أي من عصورهم السابقة، ولم يمر بها أي جيل من الأجيال الحالية، وبالتالي لا خبرة لديهم في كيفية التعامل معها، فكان الحل الأمثل لهم الهروب منها إلى التفاعل مع مثل هذه الأحداث”.

ويرى عبد الله أن الشعب المصري “من أكثر الشعوب قابلية للإلهاء والتشويش والهروب من المسئولية”، وما حدث يأتي في سياق “إستراتيجية الإلهاء الموجودة في العالم كله عبر الإعلام والمعارك المفتعلة”، ورغم إقراره بأن الزخم الحاصل حول المباراة ونتيجتها يصب في صالح الانقلاب، كونه يدفع إلى إلهاء الشعب عن قضاياه المتعلقة بحقوقه، فإن الخبير الرياضي محمد عباس يزعم أن هذا الزخم “طبيعي وغير مفتعل”.

وتتعدد مفردات الإلهاء ما بين إعلام فاسد وفن هابط وافتعال مشكلات اقتصادية واجتماعية بل وفتن طائفية بين نسيج المجتمع، ولأن جنرالات العسكر منذ ستين عاماً لم يتغيروا كان هدفهم جميعا واحدا وهو البقاء في الحكم لأجل غير مسمى، ومن أجل حفاظهم على هذا الحكم يرتكبون كل الجرائم المعادية لحقوق الإنسان ويبتكروا الحيل والألاعيب فى إلهاء المصريين عن قمعهم وطمعهم في الحكم.

وهى ليست حيلاً وألاعيب عربية فقط وإنما سبقنا إليها طغاة الغرب، فغير خاف ما فعله جورج بوش الابن من إشعال الحروب في كل مكان للهروب من الشائعات التي أحاطت بانتخابه وما حدث به من تزوير، ولا يزال كثير من الطغاة العرب حتى الآن يسيرون على نفس النهج ويتفننون في خداع الشعوب ليل نهار، وتتجلى الظاهرة في عهد المخلوع مبارك حيث اختلق هاجس الزيادة السكانية لتبرير سياسية التقشف وبيع القطاع العام للتغطية على فساده وفساد حاشيته.

ممالك الإلهاء

من جانبه، يؤكد الدكتور عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان أن سياسية إلهاء الشعوب هي سياسة قديمة قدم الإنسان نفسه، حيث كان ملوك الفراعنة والممالك القديمة يلهون شعوبهم بابتكار الأعياد والمناسبات التي يغدق فيها هؤلاء الملوك بالأموال أو مآدب الطعام بديلا لمشاكل البلاد الاقتصادية والسياسية أو في حالات كثيرة، كان يتم إخماد أي محاولات للانقلاب والتخلص من المعارضة بافتعال حروب خارج البلاد.

ويقول الدسوقي: “مقولة التاريخ يعيد نفسه مقولة صحيحة جدا وتنطبق على نهاية كل ديكتاتور ولكن الحكام العرب لم يتعلموا أبدا من التاريخ خصوصا أنه مضت على جلوسهم فوق عروشهم ومناصبهم سنوات طويلة، وهم لا يريدون التخلي أبدا عن كراسيهم أو صلاحياتهم المطلقة وعندما بدأت الشعوب العربية تتحرك وهبت رياح التغيير هنا وهناك”.

مضيفًا: “وجدناهم يرتكبون نفس الأخطاء في مواجهة شعوبهم ويطلقون عليهم نفس التهم والتفاهات كتلك التي قد أطاحت بابن علي ومبارك والقذافي ومازال الباقون منهم ينتهجون نفس الأسلوب مثل بشار الأسد الآن كما لو كانوا قد اتفقوا على الانتحار الجماعي، فتراهم يلجأون إلى العنف الزائد تارة والوعود بإجراء إصلاحات لا فائدة منها تارة أخرى”.

وتابع: “بل إن بعض الممالك العربية الخليجية انتهجت نهجا قديما مكشوفا مثل السعودية والكويت والإمارات فأغدقت على مواطنيها الأموال والمنح المغرية لإبعادها عن التفكير في القيام بالثورات ضدهم”.

سياسة الإلهاء من وجهة نظر الدكتور على عجوة، عميد كلية الإعلام السابق هي سياسة نجحت بشكل كبير في الدول النامية أكثر من الدول المتحضرة، ويضيف عجوة إن أساليب إلهاء الشعوب من خلال وسائل الإعلام عديدة فمنها التركيز على مباريات الكرة وخلق فجوة بين مشجعي الفرق والتفرقة بينهم كمشجعي الأهلي والزمالك، وأحيانا خلق فجوة ومعارك وهمية بين الشعوب وبعضها كقضية مصر والجزائر بسبب مباراة كرة قدم.

علم وفن!

أما الدكتور حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس يقول إن سبل الديكتاتور لإلهاء الناس عديدة فقد يتعدى الأمر إلى ابتكار مشكلة أو موقف لإثارة رد فعل معين عند الناس بحيث يندفع الجمهور، مطالبا بحل يرضيه كالسماح مثلا بانتشار العنف في بعض المناطق الحساسة، أو تنظيم هجمات إرهابية دموية لأماكن بعينها حتى تصبح قوانين الأمن العام مطلوبة، ولو حتى على حساب حرية الآخرين.

أو خلق أزمة اقتصادية – والحديث للخولي- يصبح الخروج منها مشروطا بقبول الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية، وتفكيك بعض الخدمات العامة الحيوية، وبناء عليها يتم تقديم حلول مبرمجة لنا سلفا وواجبة القبول، على أنها شر لابد منه، أو تمرير لإجراء أو قانون غير مقبول من الممكن أن يثير ثورة داخلية في البلاد، لو تم تنفيذه دفعة واحدة وتطبيقه بشكل تدريجي حتى يتم قبوله.

ويؤكد الخولي أن علم سياسية إلهاء الشعوب يتم تدريسها على المستويين الأكاديمي والسياسي لرجال الأمن وصانعي القرارات، ومن يقوم على تدريسها ويضع مناهجها ويقوم بتنفيذها هي جهة الاستخبارات في كل بلد، وإذا أردنا مثالا صارخا لذلك فهو ما حدث عند غرق العبارة السلام في مصر، منذ سنوات وتركيز الدولة الكبير في ذلك الوقت وحشد عواطف الناس حول كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، لإلهاء الناس عن هذا الحدث الجلل الذي إن دل يدل على سوء حكم البلاد والفساد المستشري فيه.