“أنا أختنق”.. لم تكن مجرد صرخة أطلقها الصحفي الراحل جمال خاشقجي لاسترحام السفاحين لتركه؛ ظنا منه أنها مجرد عملية خطف، بل كانت عبارته عنوانًا عريضًا لوطن كبير يختنق، ورغم اتساعه من المحيط إلى الخليج إلا أنه ضاق على أهله، ربما كانت العبارة آخر ما قاله خاشقجي- رحمه الله- قبل لحظات من إجهاز قاتليه عليه، إلا أنها ستظل شاهدًا يتردد صداها طالما استمر القمع والكبت وتكميم الأفواه جاثمًا على أنفاس العرب.
وقالت صحيفة “ميرور” البريطانية، إن الصحفي السعودي تركي الجاسر قتل، قبل أيام، في السجون السعودية، ووفقا للصحيفة فإن صحفيًا آخر قُتل في المملكة العربية السعودية بعد أيام من مقتل جمال خاشقجي، لقد قيل إن تركي بن عبد العزيز الجاسر قد قُتل بعنف في السجن الأسبوع الماضي بعد أن اعتقلته السلطات”.
“خاشقجي جديد”
وتقول السلطات السعودية، إنه قام على نحو سري بتشغيل حساب على تويتر يُدعى كشكول، كشف فيه عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل المسئولين وأفراد العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، ووفقا لتقارير فقد سُربت هوية الصحفي السعودي من قبل موظفين بمكتب تويتر المحلي في دبي وتم القبض عليه.

يأتي ذلك في الوقت الذي تعتقد فيه تركيا أن الصحفي السعودي الكاتب بصحيفة واشنطن بوست جمال خاشقجي، تعرض للتعذيب ومزق جسده وتم التخلص منه، وقد قُتل جمال وهو من منتقدي “بن سلمان” داخل القنصلية السعودية في الثاني من أكتوبر الماضي، بعد لحظات من دخوله، وقال ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، إن جسد خاشقجي قد تمت إذابته بالأحماض بعد تقطيعه.
واليوم أعلنت مصادر تركية عن توقيف عملية البحث عن الجثة بعد التوصل لهذه النتيجة من الفحوصات ونتائج العينات التي أخذت من منزل السفير، حيث يعتقد الأتراك أن عملية التخلص من الجثة جرت هناك من قبل فريق سعودي متخصص، وقد نفى ولي عهد المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان أي دور رسمي في الجريمة، ووعد بمحاسبة المتورطين بعد جمع كل الحقائق عنها.
ولم يصدر أي تعليق رسمي حتى الآن عن وفاة تركي بن عبد العزيز الجاسر، بينما أكد مراقبون أن أوضاع حرية الصحافة في الدول العربية متدهورة، ومصر على سبيل المثال مخيفة ومرعبة، مطالبين سلطات الانقلاب بوقف ملاحقاتها للإعلاميين والنشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بشكل فوري، وفي مؤتمر صحفي بمقر المنظمة بنيويورك، قال مقرر الأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، إن أوضاع الصحافة والإعلام قبل السفيه عبد الفتاح السيسي كانت أفضل كثيرا مما هي عليه الآن.
أوضاع مرعبة
ووصف “كاي”، في وقت سابق، أوضاع الصحفيين والحقوقيين في مصر بـ”المخيفة والمرعبة”، مضيفاً: “نحن نتابع الوضع عن كثب، ونطالب السلطات بالوقف الفوري لهجماتها ضد الإعلاميين والنشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في البلاد”، وأكد المسئول الأممي أن الوضع في مصر “بات مرعبا ومخيفًا”، لافتا إلى أن سلطات الانقلاب “لا تلاحق المعارضين فقط، وإنما تلاحق أيضا أي صاحب رأي مختلف”.
من جهتها كتبت المراسلة الإقليمية لأسبوعية دير شبيجل الألمانية نيكولا أبي، أن عمل الصحفيين والمراسلين الأوروبيين في مصر يزداد صعوبة بهذه الأجواء، “خاصة مع انتشار جواسيس وعيون السيسي في كل مكان”، وضربت المراسلة مثالا حدث معها ومع زملائها عند إجرائهم مقابلات مع المارة في شارع بأحد الأحياء الفقيرة في القاهرة.
وأوضحت أنهم فوجئوا بعد دقائق معدودة بوصول شرطة الانقلاب، وأشارت إلى أن إبرازهم مستندا رسميا بموعد في وزارة الإسكان القريبة لم يكف لأفراد الشرطة الذين استدعوا لهم الاستخبارات، وذكرت أن مسئولا في الاستخبارات سحب جوازات سفرهم وهواتفهم المحمولة وفحص الصور التي التقطوها ولم يسمح بإخلاء سبيلهم إلا بعد تحقيق استمر لساعة، ونوهت بأن فردا من الأمن همس لهم عند مغادرتهم بأنهم لو كانوا مصريين لما شاهدوا ضوء الشمس مرة ثانية.
وأعلنت حكومة الانقلاب، بدء حظر البث المباشر لأي قناة تلفزيونية من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي المحتلة من العسكر، ومنعت حكومة الانقلاب استيراد أجهزة البث التلفزيوني إلا عن طريق الجهات التابعة لها، تنفيذا لقانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد.
كما بدأت حكومة الانقلاب إلزام جميع المواقع الإلكترونية العاملة في البلاد بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للسماح لها بالاستمرار في عملها، وأثارت هذه القرارات جدلا في مصر، حيث يرى معارضون أنه يهدف إلى قمع الحريات في البلاد عبر إحكام سيطرة الانقلاب على وسائل الإعلام، بينما يقول مؤيدو السفيه السيسي إن القانون الجديد يهدف إلى القضاء على الفوضى الإعلامية حرصا على استقرار البلاد!.