في بداية انقلاب 30 يونيو 2013، أخرج الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، الطبلة من جيب بدلته وانطلق يطبل للسفيه عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المنقلب، واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية وذيل العسكر، ووصفهما بالرسل الذين بعثهم الله كما بعث “موسى وهارون”، عليهما السلام، لحماية الدين.
وقال الهلالي، غير مستحٍ أمام أنظار المسلمين في العالم: “ابتعث الله رجلين، كما ابتعث وأرسل من قبل موسى وهارون، وأرسل رجلين ما كان لأحد من المصريين أن يتخيل أن هؤلاء من رسل الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو، خرج السيسي ومحمد إبراهيم”، حينها استشعر الأزهر الحرج من حماس الهلالي في التطبيل والرقص عاريًا للعسكر.
الطيب محرجًا!
وأصدر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الذي شارك في الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني للبلاد، بيانًا وقتها يشدُّ شعره من عدم التزام الهلالي بنغمة متفق عليها في التطبيل، بالقول: “الأزهر الشريف يهيب بالمنتسبين إلى العلم والفقه عدم الاسترسال في هذا المجال الذي يمس نَزاهةَ العلم والعلَماء ويُدخل الأنبياء والرسل في مقارنة لا تصح ولا تجوز؛ فمقتضى العلم بمقام النبوَّة والرسالة أنْ ننأى بأنبياء الله ورسله عن أي جدل سياسي هم منزهون عنه باعتبارهم قادة الإنسانيَّة ورسُل الله”.

ولم يرتدع “الهلالي” المكتشف لنبوة العسكر ولم يكترث بتنبيه ولا تحذير “الطيب”، وخرج اليوم معربًا عن تأييده للحرب على شرائع الإسلام، وتحزم ورقص لقرار المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، والذي أقرته الحكومة التونسية بشكل رسمي، متوقعًا أن تتخذ مصر مثل هذا القرار بعد 20 أو 30 عامًا من الآن.
وقال، في مداخلة هاتفية لبرنامج “الحكاية”، الذي يعرض على فضائية “MBC مصر”، مساء أمس السبت: إن “الميراث حقٌ لا واجبٌ مثل الصلاة والصوم”، موضحًا: “صحيح أن آية المواريث واضحة وصريحة في القرآن لكنها مذكورة كحق، أما لو كان الميراث أمرًا واجبًا مثل الصلاة فلا يمكن الكلام فيه”.
وأضاف أن “قرار تونس بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث صحيح فقهيًا”، مشيرًا إلى موافقة غالبية شيوخ التطبيل أمثاله في تونس على هذا القرار.
وخرج الأزهر مرة ثانية على لسان المتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر الشريف الدكتور أحمد زارع، وقال: “الهلالي لا يمثلنا”.
وصدّق مجلس الوزراء في تونس، خلال اجتماعه الجمعة الماضية، على مسودة قانون الأحوال الشخصية الذي يتضمن أحكامًا بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وكان قد أعلن الأزهر الشريف في أغسطس 2017، عن رفضه لدعوة الرئيس التونسي الباجى قائد السبسى بالمساواة بين الرجل والمرأة فى المواريث، ودعوته بالسماح للمسلمة بالزواج من غير المسلم.
ويُعرف المطبل أمثال الهلالي عادة بثنائه الدائم المستمرّ غير المنقطع في كل الأحوال والظروف، دون أن يكون له نقد قليل أو كثير أو مطالبة بمحاسبة الدولة أو حتى الحاشية؛ فهو لا يفتر عن ذكرِ وليّ الأمر حتى لو مع أولاده، الأخطر هو قيام بعض الشيوخ بتملق ونفاق الحكام على المستويين المحلي والعربي، فأصدروا الفتاوى وأطلقوا العنان لآرائهم الشخصية لمسايرة الواقع والظروف الراهنة، لدرجة أنه لو تتبعنا فتاواهم وآراءهم قبل 25 يناير 2011 لوجدناها على النقيض مما يقولونه الآن.
تاريخ علماء التطبيل
إن تاريخ الأزهر القريب يزخر بمخازي الشيوخ أمثال الهلالي والطيب ومن على شاكلتهم في تملق وتزلف الحكام، المسلمين وغير المسلمين، وخير دليل في ركاب السلطة وتغفيل للشعب باسم الدين، ففي عهد الاستعمار الفرنسي على مصر كوّن ديوان من الشيوخ المطبلين أمثال الهلالي لمعاونة حكومة المحتل، وأصدر هؤلاء العلماء بيانًا للشعب لتهدئة ثورته، وتثبيط نضاله وجهاده ضد الفرنسيين.
وقال بيان علماء وشيوخ التطبيل أجداد الهلالي: “نصيحة من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة.. نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونبرأ من الساعين في الأرض بالفساد..”، ويستطرد البيان فيقول: “فعليكم ألا تحركوا الفتنة، ولا تطيعوا المفسدين، ولا تسمعوا كلام من لا يقرءون العواقب، لأجل أن تحفظوا أوطانكم، وتطمئنوا على عيالكم، وأديانكم، فإن الله سبحانه وتعالي يؤتي ملكه لمن يشاء، ويحكم بما يريد، ونصيحتنا لكم، ألا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، على حد ما حكاه الجبرتي في تاريخه.
استمر هذا التطبيل مع انفصال محمد علي عن الخلافة العثمانية، ثم استمر مع الاحتلال الإنجليزي، وظهر جليًا في فترة حكم الملك فاروق ثم مع خلعه، وقد تلونوا لعبد الناصر أيضا ليمارسوا حرفة التطبيل التاريخية في مدح الطغاة، والتزلف إليهم.
وفي مجلة الأزهر، ديسمبر سنة 1960، أورد الشيخ محمود شلتوت، عن واجب المسلم في طاعة الحكومة، ما لم تخالف أوامر الله، ما يلي: “… فعلى المسلم السمع والطاعة، فقد عرف أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وواجب المسلم لا يختلف، ولا يقل نحو حكومته، ما دام كل عملها في المصلحة العامة، وما دامت لا تخالف أوامرها أوامر الله ولا أوامر الرسول، لا فرق في ذلك بين حكومة علمانية أو حكومة دينية”.
هذا هو رأي شيخ من أبرز مشايخ الأزهر في طاعة الحكومات، وهو مفصل تماما على حكومة عبد الناصر، وهل يمكن أن يكون لهذا الحديث علاقة بالدين أو بالورع؟ وهل ثمة حكومة علمانية غير مخالفة لأوامر الله؟!، ألم يسحل أبو الانقلاب الفاشي جمال عبد الناصر العلماء ويقتلهم في سجونه التي أشرف عليها الغلاظ من ضباطه شياطين البشر؟ أليس الرئيس التونسي الباجى قائد السبسي علمانيا وهو يأمر بالمساواة بين الرجل والمرأة في المواريث والسماح للمسلمة بالزواج من غير المسلم؟، ولماذا يقف الطيب مع انقلاب السفيه السيسي ويعارض المطبلين له الآن؟.