هناك ثلاثة احتمالات لمظاهرات الأحد 20 سبتمبر 2020م، التي دعا لها المقاول محمد علي وعدد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، السيناريو الأول، هو خروج حشود غفيرة من الجماهير في عدد من المحافظات المختلفة احتجاجا على مجمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية وعلى رأسها الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء، والإتاوات الباهظة لتجنب هدم منازلهم في إطار معادلة "الدفع أو الإزالة" وفقا قانون هدم منازل المصريين الذي سنه السيسي في إبريل 2019م وأجرى عليه تعديلات في يناير 2020م. وبالتالي ربما يدفع ذلك مزيدا من قطاعات جماهيرية للتظاهر وزيادة رفعة الاحتجاجات حتى تتحول إلى ثورة لا تتمكن أجهزة السيسي من احتوائها، ومع تزايد رقعة الثورة وخروج الأمر عن السيطرة ربما يدفع ذلك أجنحة داخل المؤسسة العسكرية للإطاحة بالسيسي وفق قاعدة التضحية برأس النظام لحماية النظام ذاته والتي جرى بها العمل مع الرئيس الأسبق حسني مبارك من قبل. خصوصا وأن الإدارة الأمريكية التي تدعم نظام السيسي منشغلة جدا هذه الفترة بانتخابات الرئاسة الأمريكية والتي يواجه فيها الرئيس دونالد ترامب تراجعا كبيرا يهدد نجاحه في الفوز بفترة رئاسية ثانية.

السيناريو الثاني، هو خروج عدد محدود من الاحتجاجات في عدد من المناطق الريفية والمحافظات المختلفة والتي سيواجهها السيسي وأجهزته الأمنية بقمع مفرط واعتقالات مكثفة كما جرى تماما في مظاهرات 20 سبتمبر من العام الماضي 2019م. وهي المظاهرات التي أحرجت النظام لكنه استفاد منها باعتقال آلاف النشطاء وهو ما أضعف القدرة على الحشد هذه المرة؛ إذ لا يزال عشرات الآلاف من النشطاء معتقلين حتى اليوم في قضايا سياسية ملفقة وتهم بلا أدلة. وبالتالي تكون مظاهرات 20 سبتمبر 2020 مجرد جولة على الطريق على الثورة وتسهم في مزيد من الغضب الشعبي ضد النظام؛ فاعتقال الآلاف من المواطنين سوف يسهم في زيادة منسوب الغضب عند أهالي وأصدقاء المعتقلين وهم هذه المرة مجرد مواطنين أضيروا بشدة من سياسات النظام الاقتصادية.

السنياريو الثالث، هو الهدوء التام، وإدراك الشعب أن أجهزة السيسي متأهبة خصوصا في منطقة "وسط البلد" بالعاصمة القاهرة في التحرير ورمسيس والهرم وفيصل وعين شمس والمطرية وحلوان، وبالتالي فإن الأفضل هو عدم المواجهة المباشرة مع الأجهزة الأمنية؛ وفق قاعدة "إذا كانت الموجة عالية فلا تقابلها بصدرك بل اغطس تحتها حتى لا تغرقك ثم واصل مسيرك بنجاح". ويكون السيناريو بذلك مشابها لدعوات التظاهر في يناير2020 التي قرر المقاول محمد علي اعتزال العمل السياسي في أعقابها لعدم خروج مظاهرات جماهيرية استجابة لدعوته ثم تراجع وعاد من جديد.

الأكثر احتمالا هو السيناريو الثاني أو الثالث، ومن خلال قناعتي بعد التجارب الكثيرة؛ فإني لا أفضل التظاهر في ظل استعداد وتأهب أجهزة السيسي؛ والأفضل هو اللا مركزية خصوصا وأن المواجهات بين الناس وأجهزة السيسي تصاعدت بشدة في الأونة الأخيرة وبدأ الناس يتحررون رويدا من الخوف والإحباط ، فلا ينبغي أن نمنح السيسي وأجهزته فرصة وأد هذه الروح الجديدة في مواجهة مباشرة ربما لم تتوفر بعد عوامل نجاحها. وأنصح المتظاهرين بعدم الاقتراب من ميدان التحرير فدخوله لا يعني الانتصار مطلقا بل هي جولات وجولات نستنزف بها النظام حتى يسقط إن شاء الله.

الأفضل ألا تكون هناك دعوات موسعة للتظاهر في يوم محدد فالتجربة تؤكد أن النجاح في ذلك غير مضمون وأن خسائر الحركة الوطنية المصرية تكون كبيرة وأعداد المعتقلين ستزيد عدة آلاف نحن بحاجة إليهم في الخارج ليكونوا قادة الثورة عندما تندلع دون سابق ميعاد.

كل المؤشرات تؤكد أن المواجهات بين المواطنين وأجهزة السيسي تتزايد بوتيرة كبيرة في أعقاب قانون هدم المنازل ودفع الإتاوات وهو القانون الذي وضع السيسي وأجهزته الأمنية في صدام مباشر مع عشرات الملايين من الناس ؛ فهل ندع الأمور  دون تدخل من السياسيين حتى تختمر وتصبح مهيأة لاندلاع شرارة ثورة جديدة؟

لهذه الأسباب أعتقد أن الأحد سيمر في هدوء وليس معنى ذلك أنه انتصار للسيسي ونظامه، ولكن لأن الأحداث -في رأيي- سوف تتصاعد تلقائيا دون دعوات للتظاهر حتى تصل إلى مراحل من الفوضى تخرج عن السيطرة أمام غضبة الجماهير وآلامهم التي تتعمق بفعل سياسات السيسي الاقتصادية التي تزيد الفقراء فقرءا والأغنياء غنى.

وترى الأكاديمية الأمريكية "إيمي أستون هولمز" التي عملت سابقا كأستاذ مشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة خلال فترة ثورة يناير، أن غياب المظاهرات والاحتجاجات الشعبية ضد نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي لا يعني الاستقرار كما يردد السيسي وآلته الإعلامية والحكومية؛ ذلك أن النظام يمارس قمعا غير مسبوق لجميع أشكال التظاهر السلمي أو الدعوة إليه. وفي كتابها "ثورات مصر وانقلاباتها .. التحركات الجماهيرية والعسكر وأمريكا منذ مبارك حتى السيسي"، تتوقع "هولمز" أن تكون الثورة أو الانتفاضة القادمة في مصر اقتصادية الدوافع بامتياز.

وتفسر ذلك بأن  1%  من المصريين هو الأكثر ثراء يمتلكون 49% من ثروا مصر بينما 99% يتنافسون على النصف  الباقي ، وأن الغياب المهول للعدالة الاجتماعية، برأي هولمز: هو وصفة لتحركات قادمة لا يرى المشاركون فيها أي مستقبل لهم في بلد تعوزه الحرية والرفاه على السواء.
إضافة إلى ذلك، فإن مشاهد العنف والدماء والاستبداد بعد انقلاب 03 يوليو 2013م؛ دفعت الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله" إلى التنبؤ  في نهاية 2014وليس 2020 بالثورة المقبلة في تقرير لها تؤكد فيه أنه "قد يسير الوضع على ماهو عليه لبعض الوقت، فمصر تحولت منذ مدة إلى دولة بوليسية. بيد أن الوضع المزري للاقتصاد ولحقوق الإنسان وتراجع قطاع السياحة واعتماد البلاد على أموال الخليج، من شأنها أن تترجم حالات الاستياء المتراكمة عاجلا أم آجلا إلى احتجاجات واسعة، لتؤكد في نهاية تقريرها أن الانتفاضة المقبلة إنما هي مسألة وقت فقط".

نفس الأمر توقعته صحيفة "الجارديان" البريطانية، بعد مسرحية الرئاسة مارس 2018م، حيث اعتبرت افتتاحية الصحيفة فوز السيسي بفترة ولاية ثانية تدميرا لما تبقى من الديمقراطية، وأن السيسي الذي يرفع شعار "الاستقرار" لا يدفع مصر إلا نحو الأسوأ؛ وأن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإذعان لشروط صندوق النقد بتخفيض الدعم وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وسوء التعليم هي ضمانات فعلية لاستمرار  الفوضى مستقبلا؛  وأنه ـــ بحسب  الجارديان ـــ عندما يضاف إلى هذا المزيج ولع "السيسي" بعمليات الإعدام الجماعي، وعمليات الاعتقال، والاعتداءات الجارفة على الحريات المدنية، فلا عجب أن يتوقع المحللون أن تتجه مصر إلى ثورة أخرى. ويذهب مركز "ستراتفور" البحثي لما هو أبعد من ذلك بالتأكيد على أن "ولع "السيسي" بالقوة لابد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا. ومع كل يوم يبقاه في منصبه فإنه يعطي شعبه سببا جديدا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي". فارتقبوا إنا مرتقبون.

Facebook Comments