أثارت تصريحات قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال افتتاحه حي الأسمرات 3 والتي ادعى فيها ان تكلفة الوحدة السكنية على الدولة 600 ألف جنيه بدون حساب قيمة الأرض والخدمات، ردود فغل ساخرة وغاضبة؛ ويؤكد مقاولون ومهندسون وحتى مسئولون بأجهزة الدولة أن التكلفة الحقيقة لا تزيد عن 250 ألف جنيه؛ فلماذا يبالغ السيسي في تقدير تكلفة الشقق السكنية الحكومية؟ وما الهدف من وراء ذلك؟
وفي مارس 2020م، صرح الدكتور عاصم الجزار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بحكومة الانقلاب، في ندوة بعنوان "رؤية استراتيجية للعمران في مصر"، أن التكلفة الحقيقية للشقة في مشروع "الإسكان الاجتماعي" تبلغ 600 ألف جنيه، بينما يأخذها المواطن الذي يفوز في القرعة وتنطبق عليه الشروط بـ240 ألفاً فقط بمقدم بسيط وتقسيط مدته 20 سنة"، وهذا يعني أن الدولة تتحمل فرق التكلفة مراعاة لظروف محدودي الدخل!
وخلال السنوات الماضية تقوم الحكومة بإجبار الموطنين على إخلاء منازلهم بدعوى تطوير المناطق العشوائية كما يجري في مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق، وآخرهم أهالي منطقة "مأوى الصيادين" بمحافظة الإسكندرية، حيث اعتدت عليهم قوات الأمن؛ إثر احتجاجهم على قرار الحكومة بهدم منازلهم ضمن إزالة المناطق العشوائية.
هدف المبالغة
الهدف من مبالغة السيسي في هذه الأرقام ربما يحمل تفسيرين:
الأول، هو أن هذا الرقم المبالغ فيه ليس حقيقيا والهدف منه هو إقناع الرأي العام أن المتضررين من قرارات الحكومة والذين أجبروا على ترك منازلهم هم المستفيدون من هذه القرارات على عكس الحقيقة.
الثاني، هو أن تصريحات السيسي هي مجرد زلة لسان حقيقية تكشف حجم النهب المنظم؛ فإذا كانت التكلفة الحقيقية لا تزيد عن 250ألف جنيه فإن الجهات التي تتولى بناء هذه المدن السكنية تحقق أرباحا خيالية على حساب الشعب والوطن والموازنة العامة للدولة التي تئن من العجز وتضخم حجم الديون الذي ارتفع من 1.7 تريليونا في منتصف 2013 إلى أأكثر من 6 تريليونات جنيه حتى منتصف 2020م.
الموالون للسيسي والنظام، يرون أن ذلك يمثل إنجازا عظيما وأنه جرى انتشال المواطن من المناطق العشوائية وغير الآدمية وتم نقلهم إلى مناطق لم يكونوا يحلمون بها مقابل أجر رمزي شهري قيمته 400 ج فقط، وتقريبا هذا المعنى هو مضمون ما تروج له وسائل إعلام النظام حاليا وأن الدولة منحت مواطني المناطق العشوائية شققا تصل تكلفتها إلى 600 ألف جنيه. لكن هؤلاء يتجاهلون أمرين:
الأول أن هذه المشروعات السكنية أقيمت بقروض باهظة الثمن تتحمل الأجبال القادمة سدادها وتكبل مصر بقيود ترهق موازنتها كل عام، حيث بلغت قيمة فوائد الديون (الأقساط والربا) نحو 90% من جملة الإيرادات، وخلال السنة المالية الجارية مع تداعيات تفشي جائحة كورونا وتوسع الحكومة في الاقتراض المحلي والخارجي فمن المرجح أن تصل فوائد الديون إلى 100% من إيرادات الدولة.
الثاني، أن المواطن لا يملك هذه الوحدة السكنية، لأن العقد المبرم هو عقد إيجار مدى الحياة دون تمليك، ويتضمن نسبة زيادة سنوية ويحوي شروطا في غاية الأجحاف للمواطن فلا يحق له إجراء أي تغيير في الوحدة، ما يعني باختصار أن كلام السيسي بأن مصر وقفت إلى جانب المواطنين لا معنى له لأن المواطن لن يمتلك الوحدة بصرف النظر عن قيمة تكلفتها، فالشقة سوف تظل ملكاً للدولة، إذا حصل زلزال أو أي ما يدعو لانهيار العقار، فالمالك ليس له نصيب ولا حصة من الأرض.
«3» أدلة تعصف بأكاذيب السيسي
وبحسب صحيفة "عربي بوست" فإن تصريحات السيسي لا يمكن تفسيرها إلا باعتباره دعاية مضادة تستهدف تجميل صورة النظام ولو باختلاق الأكاذيب وترويجها على نطاق واسع؛ يستهدف بها تبرير نزع الملكية الخاصة بدعوى المنعفة العامة وهو القانون الذي جرى إقراراه وفي طريقه للتصديق عليه بشكل كامل.
ويكفي للتدليل على عدم صحة كلام السيسي وآلته الإعلامية من خلفه، أن المرحلة الأولى من مشروع الأسمرات أقيمت على مساحة 65 فداناً ملك محافظة القاهرة، وتضم 6258 وحدة سكنية بتكلفة حوالي 850 مليون جنيه، بتمويل من موازنة المحافظة وصندوق تطوير العشوائيات، بخلاف القيمة الفعلية لثمن الأرض المقامة عليها. بمعنى أن تكلفة الشقة لا تزيد عن "135" ألف جنيه.
وأنشئت المرحلة الثانية في 2018م من المشروع بتمويل من صندوق "تحيا مصر" على مساحة 61 فداناً، بقيمة تعاقدية 700 مليون جنيه، وتضم 4722 وحدة سكنية، بخلاف إنشاءات المباني الخدمية والمرافق. وبذلك فإن قيمة الشقة ارتفعت إلى "150" ألف جنيه.
فهل يعقل أن يزيد سعر الشقة في المرحلة الثالثة بشكل خيالي، بحسب كلام السيسي ووزير إسكانه ليصل إلى 600 ألف جنيه؟!.
الدليل الثاني، أن تكلفة الشقق في القطاع الخاص والأهلي تقل كثيرا عما أعلنه السيسي، ولا تزيد بأي حال من الأحوال عن 250 ألف جنيه فهل حول السيسي مصر من دولة ترعى مصالح مواطنيها إلى مضارب ومستثمر لا هم له سوى جباية الأموال؟!
الدليل الثالث الذي يؤكد أن كلام السيسي عار من الصحة أن جريدة الأخبار نشرت تقريرا تؤكد فيه أن المرحلة الثالثة من مدينة الأسمرات لتطوير العشوائيات بحي المقطم، تبلغ تكلفتها 1.8 مليار جنيه وتم تنفيذها خلال عام ونصف العام. ويقام المشروع على مساحة 65 فداناً، ويحتوي على 124 عمارة بإجمالي 7304 وحدات سكنية، وتضم العمارة الواحدة 60 وحدة سكنية. وهذا يعني أن الشقة تكلفتها 246,440 جنيهاً تقريباً، مع مراعاة أن تلك التكلفة محمل عليها عدد من الخدمات المتضمنة في المشروع، منها 4 ملاعب متعددة الاستخدامات إضافة إلى آخر خاص بكرة القدم، بجانب مسجد وكنيسة وحديقة مخصصة للأطفال، ومدرستين للتعليم، و5 حضانات لخدمة السكان إضافة إلى 4 وحدات صحية متكاملة، بجانب 146 محلاً تجارياً متنوع الاستخدام ومخبز إلكتروني إضافة إلى 6 منافذ توزيع للخبز، وساحة انتظار بسعة 100 سيارة، فضلاً عن ناد رياضي واجتماعي وملاعب وحمامات سباحة، ومن المفترض أن تكلفة كل هذه الإنشاءات الخدمية متضمنة في التكلفة الإجمالية للمشروع، ما يعني أن تكلفة الشقة بعد استبعاد تكاليف الخدمات ستقل عن 246.440 ألف جنيه المشار إليها.