انتهى تحليل أعده موقع Responsible Statecraft الأمريكي إلى أن الاستراتيجية التي يتبعها قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي لمواجهة التمرد المسلح في سيناء خاطئة وأسهمت في نمو الإرهاب بدلا من القضاء عليه؛ مستدلا على ذلك بأن الحرب على «الإرهاب» في سيناء مستمرة منذ 15 سنة دون أي بوادر لتحقيق نصر حاسم، رغم أن الجيش نفذ العديد من العمليات العسكرية.
ويؤكد الموقع الأمريكي أن النتائج المخيبة في مواجهة المسلحين بسيناء تكشف عن وجود مشكلات في الاستراتيجية المصرية لمحاربة الإرهاب بسيناء. وأن هذه الاستراتيجية معيبة ونتائجها عكسية؛ فبدلًا من القضاء على الإرهاب واقتلاع جذوره؛ أدّت إلى خلق أرضيةٍ خصبة للجماعات المُسلّحة والمُتشدّدة حتى تزدهر، وتُجنِّد الأعضاء الجدد، وتُكثِّف الهجمات ضد الجيش والقوات الأمنية والمدنيين على حدٍّ سواء، ما أسفر عن فقدان الآلاف حياتهم، وخلق حالة من عدم الاستقرار في سيناء.
ويعلق التحليل الأمريكي على التقارير الإعلامية التي تؤكد أنّ ولاية سيناء تُسيطر الآن على 5 بلدات في مُحيط بئر العبد(رابعة، وقاطية، وأقطية، والجناين، والمريح). بأنه إذا ثبت صحة تلك التقارير فسوف يُمثّل ذلك تحوّلًا كبيرًا في تكتيكات الجماعة، بما يفرض تحدّيًا خطيرًا على الحكومة المصرية وحلفائها الغربيين. في المقابل، فوفقًا لبعض التقارير، قتل الجيش والقوات الأمنية أكثر من 7 آلاف مُسلّح واعتقل نحو 27 ألفًا حتى العام الماضي.
"3" محطات فاشلة في المواجهة
وينتقد الموقع الأمريكي تبني نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي استراتيجية شديدة العسكرة في التعامل مع التمرد بسيناء؛ حيث نفذ الجيش عملياته العسكرية في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وجاءت تلك العمليات على ثلاث مراحل:
الأولى بدأت في أكتوبر 2014، بعد أن أعلن السيسي حالة الطوارئ في منطقة شمال شرق سيناء، التي تشمل رفح والشيخ زويد والعريش، وغيرها من القرى على الحدود المصرية مع غزة.
وبدأت المرحلة الثانية في الثالث من سبتمبر 2015، بعد أن شنّت ولاية سيناء هجومًا كبيرًا باستخدام صواريخ كورنيت على سفينةٍ تابعة للبحرية المصرية. وفي السابع من سبتمبر 2015، أطلق نظام السيسي عمليةً عسكرية أخرى تُدعى "حق الشهيد"، والتي وصفتها وسائل الإعلام المصرية بأنّها "أكبر عمليةٍ شاملة لاقتلاع جذور الإرهابيين وقتلهم".
وانطلقت المرحلة الثالثة في فبراير 2018، حين أطلق الجيش المصري حملةً عسكرية شاملة، بعنوان: "عملية سيناء 2018، بهدف تطهير البلاد من الإرهابيين". ومؤخرًا، غيّرت حكومة السيسي تكتيكاتها في مكافحة التمرّد بسيناء. فبالإضافة إلى الهجوم العسكري، حاولت جذب بعض زعماء القبائل والتعاون معهم من أجل القتال إلى جانب الجيش المصري.
أسباب فشل استراتيجية السيسي
وبحسب التقرير الأمريكي فإن إعلان حكومة السيسي أنّ الحملة القائمة أضعفت التمرد وقضت عليه في سيناء، مجرد مزاعم يعصف بها الواقع، فعلى مدار العامين الماضيين، لم تكتفِ ولاية سيناء بتنفيذ هجمات مُتطوّرة ضد قوات الجيش والشرطة، ولكنّها مدّت أنشطتها إلى مناطق أخرى مثل بئر العبد والقرى المُحيطة. ويعزو بعض المحللين أسباب ذلك إلى إلى أن استراتيجية السيسي تستهدف احتواء هذا التمرد المسلح بدلًا من القضاء عليه واقتلاع جذوره. ومع التأكيد على أن ظاهرة التمرد المسلح بسيناء بدأت في عهد مبارك لكنها تفاقمت بشدة في عهد السيسي لجملة من الأسباب:
أوّلًا: تجاهل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث تبنّى السيسي استراتيجيةً ذات توجهٍ عالي الأمنية في مكافحة التمرّد، دون الاعتراف بالجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية للوضع في سيناء. وأدّت سياساته في مكافحة التمرّد إلى تفاقم التحديات، وخلقت العديد من المشكلات الأخرى، حسب الموقع الأمريكي.
ثانيًا: البحث عن الانتقام والنجاح السريع، فاستراتجية السيسي بحسب الموقع الأمريكي تُحرّكها إلى حدٍّ كبير دوافع الانتقام، والعقاب الجماعي، والرغبة المُلحة في تحقيق نجاحٍ سريع ضد الهجمات المُتكرّرة من ولاية سيناء، بدلًا من أن تكون مبنيةً على رؤيةٍ طويلة المدى تسعى إلى علاج الأسباب الرئيسية لمشكلة سيناء.
ثالثًا: انتهاكات حقوق الإنسان تغضب البدو، حيث ارتكب الجيش والقوات الأمنية "وفقا للموقع الأمريكي" انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد البدو وغيرهم من سكان سيناء، وأسفرت هذه السياسات عن تأجيج العزلة والغضب. ويستدل الموقع الأمريكي لتقرير مُفصّل وشامل بواسطة هيومن رايتس ووتش، "نفّذت قوات الجيش والشرطة المصرية اعتقالات تعسُّفية مُمنهجة وواسعة النطاق -شملت الأطفال- وإخفاءات قسرية، وتعذيبًا، وعمليات قتل خارج نطاق القانون، وعقابًا جماعيًا، وإخلاءات قسرية" في سيناء.
رابعًا: التهجير يعزز التطرف، ويرى الموقع الأمريكي أن تهجير آلاف البدو السكان المحليين في سيناء أدّى إلى زيادة المظالم والدفع ببعضهم إلى حافة التطرّف، والانضمام إلى الجماعات المُسلّحة بغرض الانتقام من النظام. وأخيرًا، أسفر استخدام القبائل في قتال التمرد عن خلق العديد من المشكلات، مثل تعرُّض بعضهم للخطف والتعذيب والقتل بانتظام على يد المسلحين.
وينتهى التحليل الأمريكي إلى أن استراتيجية السيسي في مكافحة الإرهاب فشلت فشلا ذريعا ؛ بل أفضت إلى نتائج عكسية، وعمّقت الوضع الجاد والخطير في سيناء بدلًا من حلّه، ما يُثير الكثير من التساؤلات حول كفاءة حكومة السيسي وقدرتها على مكافحة «الإرهاب» بفعالية مؤثرة".