بعد مقتل مدرس أساء لسيد المرسلين . هل تستعين فرنسا بالقرآن الكريم لوأد الفتنة؟

- ‎فيتقارير

تسود فرنسا حالة من الهوس والهيستيريا ضد الإسلام والمسلمين، منذ عقود طويلة، لكن هذه الحالة المرضية تزايدت بشدة هذه الأيام في أعقاب مقتل مدرس فرنسي أهان الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- بعرض صور مسيئة له على تلاميذه في المدرسة، على يد مراهق مسلم.

وبعد ظهر الجمعة، قُطع رأس صامويل باتي قرب مدرسة كان يدرّس فيها التاريخ والجغرافيا في حيّ في منطقة كونفلان سانت -أونورين، في الضاحية الغربية لباريس. وأردت الشرطة منفذ الجريمة وهو مراهق شيشاني يبلغ 18 عامًا، بعد إصابته بتسع رصاصات. كما جرى اعتقال 7 من أقارب الجاني من بينهم والداه.

الغريب في الأمر أن الشرطة الفرنسية أعلنت أن المراهق واسمه "عبدالله" له سوابق في القانون العام ومعروف لدى الاستخبارات. وأضافت أنه عُثر في هاتف المهاجم على رسالة موجهة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "زعيم الكفّار" تتضمن رغبته في الانتقام من الشخص الذي "تجرّأ على التقليل من شأن محمد" -صلى الله عليه وسلم-، إضافة إلى صورة الضحية مقطوع الرأس. وكانت قد نُشرت الرسالة والصورة على "تويتر". وهو ما يثير كثيرا من الشكوك حول خفايا الجريمة؛ فالمراهق المتورط في الجريمة معروف لدى أجهزة المخابرات ونشر تهديدا بقتل الضحية قبل الجريمة؛ فأين كانت أجهزة الأمن الفرنسية؟ أم أنها كانت تراقب الجاني وتنتظر وقوع مثل هذه الجريمة حتى يجري توظيفها على نطاق واسع لتحقيق أهداف سياسية لحساب ماكرون واليمين المتطرف؟

التوظيف السياسي للجريمة
من دواعي الأسف أن الذي يشعل نار الفتنة هو رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، الذي طالما أدلى بتصريحات معادية للإسلام خلال السنوات الماضية، كما يعمل اليمين المتطرف في فرنسا على توظيف الحدث سياسيا من أجل تحريض الشارع الفرنسي ضد الإسلام والمسلمين.

أثار هذا الاعتداء الجديد الصدمة في البلاد. وتجمّع السبت مئات الأشخاص في مدينة نيس ورين للتنديد بـ"عمل بربري" والدفاع عن "قيم الديمقراطية". ويترقب الشارع الفرنسي خروج مظاهرات حاشدة، اليوم الأحد، في كافة أنحاء فرنسا، عقب ذبح المدرّس صامويل باتي، الجمعة، لعرضه رسومًا كاريكاتورية مسيئة لنبي الإسلام محمد -صلى الله عليه وسلم- على تلاميذه في الصف، في جريمة أثارت حزنًا شديدًا في البلاد ووُضع على خلفيتها عشرة أشخاص في الحبس الاحتياطي. وسيتظاهر مسئولون في الأحزاب السياسية والرابطات والنقابات الأحد عند الساعة الثالثة في باريس ومدن كبيرة أخرى، هي ليون وتولوز وستراسبورغ ونانت ومارسيليا وليل وبوردو. ومن المقرر أن يُنظّم التجمّع في ساحة "لا ريبوبليك"، المكان التقليدي لإقامة تظاهرات.
ودعت رابطة رؤساء بلديات فرنسا، أمس السبت، كافة البلديات إلى تكريم الأستاذ، فاقترحت "عرض على مبانيها وسم "أنا أستاذ" والوقوف دقيقة صمت خلال الاجتماع المقبل لمجالس البلديات واختيار يوم لتنكيس علم البلدية". وسيُنّظم تكريم وطني للضحية الأربعاء بالتنسيق مع عائلة المدرّس، وفق ما أعلنت رئاسة الجمهورية الفرنسية من دون تحديد المكان. وقالت الحكومة إنه "يُرتقب تعبير آخر (عن الدعم) وإعلانات بعد الاجتماعات".

الحكومة من جانبها ولكي تفوز بدعم اليمين المتطرف مع اقتراب موسم الانتخابات، راحت ترفع من سقف الفتنة والتحريض بدلا من التعامل برشد وحكمة مع الأزمة؛ حيث أشار رئيس الوزراء جان كاستيكس إلى أنه يعمل على "استراتيجية ردّ تكون أكثر صرامةً وأسرع وأكثر فعالية عندما يخضع مدرّس لتهديدات". وأكد في حديث لصحيفة "جورنال دو ديمانش" أن "الدولة ستكون على مستوى التزام (المدرّسين) عبر الردّ بأكبر قدر من الصرامة على كل أعداء الجمهورية".

من جهته، اقترح زعيم كتلة النواب الجمهوريين (يمين) داميان أباد أن يُنقل جثمان المدرّس إلى البانثيون حيث تُسجّى كبار شخصيات الجمهورية الفرنسية، مثل الكاتب فيكتور هوغو والعالمة ماري كوري، داعيًا إلى القيام "بخطوة رمزية قوية". وقال: "الإرهابيون أرادوا قطع رأس الجمهورية. يجب إظهار أنها تقف (في وجههم). الأمر يتجاوز شخص صامويل باتي".

الأزهر يدين
من جانبه، أصدر الأزهر الشريف بيانا يدين فيه قتل المدرس الفرنسي، كما دان نشر هذا المدرس لرسوم مسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وأكد الأزهر "رفضه لهذه الجريمة النكراء ولجميع الأعمال الإرهابية"، مشددا على أن "القتل جريمة لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال". وشدد البيان، الذي نشر باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، على "ضرورة التحلي بأخلاق وتعاليم الدين التي تؤكد على احترام معتقدات الآخرين، ونبذ خطاب الكراهية والعنف أيا كان شكله أو مصدره أو سببه". كما دعا الأزهر إلى "سن تشريع عالمي يجرم الإساءة للأديان ورموزها المقدسة".

وبحسب محللين ومراقيبن فإن فرنسا تقف على أعتاب مرحلة فاصلة تستوجب التعامل معها بقدر من الرشد والحكمة بدلا من الانتهازية السياسية والتوظيف السياسي للحروب والصراعات الدينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية على حساب استقرار فرنسا من جهة وعلى حساب حقوق الأقليات المسلمة التي تواجه تحريضا سافرا من الحكومة واليمين المتطرف.

وكان القرآن الكريم قد نهى بشكل قاطع الإساءة إلى رموز الديانات الأخرى حتى لو كانوا مشركين يعبدون الأوثان؛ وذلك حتى لا يسبوا الله عدوا بغير علم؛ { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108)}. ويوجب الإسلام على المسلمين الإيمان بنبوة السيد المسيح عليه السلام باعتباره رسولا من أولى العزم من الرسل وأمه صديقه هي الأعظم بين نساء العالمين كما ورد في القرآن؛ ولذلك يتعامل المسلمون بقدر كبيرمن التوقير والاحترام للسيد المسيح وأمه عليهما السلام بينما تبيح فرنسا الإساءة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتبرر هذه الإهانات والإساءات باعتبارها حرية رأي وتعبير بينما لا يمكن وضعها إلا في إطار البذاءة وسوء الأدب وتمكن العنصرية الكريهة من نفوس هؤلاء المتطاولين والمدافعين عنهم. فهل تسن فرنسا قانونا يلزم المتطاولين بعدم الإساءة لرموز الأديان الأخرى أم تبقى على هذا الفجور في الخصومة بدعوى حرية الرأي والتعبير؛ فهل من الحرية أن أسبك وأهينك وأهين دينك ونبيك بدعوى حرية الرأي والتعبير؟